مقالات

جرائم ضد من صنعوا الخبز : الكنابي وسقوط وهم الدولة الحامية

جرائم ضد من صنعوا الخبز : الكنابي وسقوط وهم الدولة الحامية


تكييف قانوني دولي في ضوء نظام روما الأساسي

د. جعفر محمدين
التاريخ: 15 ديسمبر 2025

تُمثّل الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق مجتمعات “الكنابي” في ولاية الجزيرة بالسودان قضية محورية تستوجب تكييفًا قانونيًا دوليًا صارمًا، بالنظر إلى خطورتها، وتكرارها، وارتباطها المباشر بسياق نزاع مسلح غير دولي مستمر. ويُبيّن هذا التحليل أن الأفعال الموثّقة تستوفي المعايير القانونية اللازمة لتصنيفها ضمن أخطر الجرائم الدولية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

ولا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن السياق التاريخي للتهميش البنيوي الذي فُرض على مجتمعات الكنابي لعقود طويلة، الأمر الذي يجعل استهدافها الراهن امتدادًا لنمط ممنهج من الإقصاء والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي، لا مجرد وقائع عرضية فرضتها ظروف الحرب.

أولًا: التكييف القانوني كجرائم ضد الإنسانية (المادة 7 من نظام روما)

لقيام الجريمة ضد الإنسانية، يشترط القانون الدولي توافر ركنين أساسيين: الركن المادي (Actus Reus) والركن المعنوي (Mens Rea).

  1. الركن المادي (Actus Reus)

يتحقق الركن المادي من خلال ارتكاب أفعال إجرامية في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين. ويؤكد الطابع المتكرر والمنظم للانتهاكات المرتكبة في مناطق الكنابي، وامتدادها الزمني والجغرافي، أنها لا تشكل حوادث معزولة، بل جزءًا من نمط إجرامي ممنهج.
وتشمل الأفعال المكوّنة لهذا الركن، على وجه الخصوص:

القتل العمد (Murder): الاستهداف المتعمد لحياة المدنيين العُزّل.
التهجير القسري (Deportation or Forcible Transfer): إجبار السكان على مغادرة قراهم ومساكنهم دون سند قانوني أو ضرورة عسكرية مُلحّة.

التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
السجن أو الحرمان الشديد من الحرية البدنية بالمخالفة للقواعد الأساسية للقانون الدولي.
الاضطهاد (Persecution): استهداف جماعات محددة على أسس عرقية أو اجتماعية متجذّرة في البنية الاجتماعية والسياسية للدولة.

  1. الركن المعنوي (Mens Rea)

يتوافر الركن المعنوي من خلال علم الجناة بطبيعة الهجوم الموجّه ضد السكان المدنيين. ويُستدل على هذا العلم من النمط المتكرر والمنهجي للانتهاكات، بما يؤكد أن الأفعال لم تكن عشوائية أو فردية، بل نُفذت في إطار سياسة أو خطة مُوجَّهة.

ثانيًا: التكييف القانوني كجرائم حرب (المادة 8 من نظام روما)

نظرًا لوقوع هذه الانتهاكات في سياق نزاع مسلح غير دولي (NIAC)، فإنها تُشكّل كذلك جرائم حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي، لكونها تمثل انتهاكات جسيمة لقوانين وأعراف النزاعات المسلحة.

ومن أبرز هذه الانتهاكات:

الاعتداء على الحياة والأشخاص، بما في ذلك القتل، والتعذيب، والمعاملة القاسية.

انتهاك الكرامة الشخصية، ولا سيما المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية، في مخالفة صريحة للمادة (3) المشتركة لاتفاقيات جنيف.

التدمير الواسع والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات دون ضرورة عسكرية تبرر ذلك.

التهجير القسري للسكان المدنيين أثناء العمليات المسلحة.

ثالثًا: المسؤولية الجنائية الفردية ومسؤولية القيادة

لا تقتصر المسؤولية الجنائية على المنفذين المباشرين للأفعال الإجرامية وفقًا للمادة (25) من نظام روما، بل تمتد لتشمل مسؤولية القادة والرؤساء بموجب مبدأ مسؤولية القيادة أو التبعية المنصوص عليه في المادة (28).

وتقوم هذه المسؤولية إذا ثبت أن القادة العسكريين أو القادة الفعليين:

كانوا على علم، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، بأن مرؤوسيهم يرتكبون أو يعتزمون ارتكاب جرائم دولية.

فشلوا في اتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة، في حدود سلطتهم، لمنع وقوع الجرائم أو لإحالة مرتكبيها إلى سلطات التحقيق والمقاضاة المختصة.

الخلاصة والاستنتاج

إن الانتهاكات المرتكبة بحق مجتمعات الكنابي تُشكّل خرقًا جسيمًا للقواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي. ويستوجب التكييف القانوني الصريح لهذه الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تفعيل آليات المساءلة الدولية دون إبطاء.

إن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يفرض تحريك اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أو اللجوء إلى آليات العدالة الوطنية والدولية المكملة، لضمان مساءلة القادة والمنفذين، وإنصاف ضحايا لم تستطع حياة الهامش أن تحميهم من موت الصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى