فن وثقافة

استراحة الجمعة : عبد الرحمن عبد الله”بلوم الغرب” الذي غنّى لكردفان فغنّت له الذاكرة

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد

في تاريخ الأغنية السودانية أصوات كثيرة تركت أثرها، لكن قلة من الفنانين استطاعوا أن يتحولوا إلى رمز جغرافي وثقافي وأن يصبح صوتهم مرادفاً لمكان كامل بما يحمله من إنسان وطبيعة وتراث. ومن بين هؤلاء يقف الفنان الراحل عبد الرحمن عبد الله شامخاً، ليس باعتباره مطرباً ناجحاً فحسب وإنما بوصفه مشروعاً فنياً متكاملاً أعاد تقديم كردفان إلى السودان كله عبر الموسيقى، حتى أصبح لقبه الشهير “بلوم الغرب” جزءاً من الذاكرة الوطنية.


ولم يأت هذا اللقب من فراغ فقد استطاع أن يجعل الأغنية نافذة واسعة تطل على سهول كردفان وتبلديها ونقارتها ولهجاتها وطبائع أهلها، وعاداتهم وقيمهم الإنسانية. كانت أغنياته بمثابة وثائق اجتماعية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتمنح المستمع إحساساً بأنه يعيش داخل المشهد لا خارجه.
لقد أسهم عبد الرحمن عبد الله في نقل الأغنية الكردفانية من إطارها المحلي إلى الفضاء القومي دون أن يفقدها أصالتها أو خصوصيتها. وهذه واحدة من أصعب المعادلات في الفن أن تحافظ على الجذور وفي الوقت نفسه تخاطب الجميع.


ولد عبد الرحمن عبد الله محمد أحمد عام 1950 بمدينة بارا في قلب شمال كردفان وهي بيئة عرفت بالثراء الثقافي والتنوع الإنساني. وهناك بدأت حكايته مع الصوت، عندما كان طفلاً يردد الأغنيات بالقرب من أماكن تجمع المياه، فيرتد إليه صدى صوته فيكتشف جمال خامته الصوتية. تلك اللحظة البسيطة كانت الشرارة الأولى لمشروع فني امتد لعقود.
ثم انتقل لاحقاً إلى الأبيض لمواصلة تعليمه وهناك بدأت ملامح الفنان الحقيقي في التشكل. تعلم العزف على آلة العود وانخرط في النشاط الموسيقي وأسهم في تأسيس معهد موسيقي بالمدينة في وقت كانت فيه الأقاليم السودانية تعاني محدودية المؤسسات الثقافية.


في بداياته تأثر بمحمد وردي وهو أمر طبيعي لفنان ناشئ يبحث عن نموذج يحتذي به. لكنه كان محظوظاً بلقائه بالناقد الموسيقي جمعة جابر الذي أدرك مبكراً أن التقليد مهما بلغ من الإتقان لا يصنع نجماً. نصحه بأن يبحث عن صوته الحقيقي وأن يبني شخصيته الفنية المستقلة.


كانت تلك النصيحة نقطة التحول الكبرى في حياته. فمنذ ذلك الوقت بدأ عبد الرحمن عبد الله رحلة البحث عن ذاته حتى خرج بصوت مختلف وأسلوب أداء لا يشبه أحداً.
ومن أسرار نجاحه أنه لم يكن يعتمد على جمال صوته وحده بل امتلك قدرة استثنائية على توظيف الكلمة واللحن والإحساس في بناء صورة مكتملة. ولذلك أصبحت أغنياته تخلد طويلاً، لأنها لم تكن مجرد ألحان جميلة بل كانت تحمل حكايات الناس وأحلامهم وحنينهم.


لم تحقق بداياته الأولى النجاح الكبير إذ لم تجد أغنية “زيد غرورك” الانتشار المتوقع، ثم جاءت “أبو جمال زينة”، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع “لو عز الصبر”، أو “عذاب الحب”، وهي أغنية خرجت من تجربة إنسانية عاشها الفنان بنفسه.

وربما كان صدق التجربة هو السر في وصولها إلى القلوب.
ثم جاءت محطة الإذاعة السودانية بالأبيض عندما سجل عدداً من أعماله من بينها “المعلمة” و”رسوماتك” و”جدي الريل”، ونال عنها الدرجة الأولى في سابقة مهمة لفنان قادم من الأقاليم. لقد أثبت يومها أن الإبداع لا يرتبط بالمركز وأن الموهبة قادرة على فرض نفسها متى وجدت الفرصة.
غير أن المجده الحقيقي ارتبط بأغنية “يا بلومي”، التي كتبها الشاعر محمد حامد آدم فتحولت إلى نشيد غير رسمي لكردفان.


في هذه الأغنية لا يخاطب الشاعر طائراً عادياً وإنما يجعل من البلوم رسولاً للمحبة والحنين، يحمل السلام والرسائل إلى الأرض التي يسكنها الوجدان. إنها استعارة شعرية جميلة، تجعل الطائر شاهداً على العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه. وتتجلى عبقرية الأغنية في رسمها لوحة بانورامية لكردفان؛ التبلدي والسهول والجبال والوديان، والريل، والأسود، وبارا، وأم روابة والنهود والأبيض. كل هذه المفردات تتحول إلى علامات هوية فتجعل الأغنية رحلة بصرية بقدر ما هي رحلة سمعية.


لقد استطاع الفنان عبد الرحمن عبد الله أن يؤدي هذه الكلمات بإحساس بالغ، حتى أصبحت الأغنية جزءاً من الذاكرة الجمعية للسودانيين، داخل البلاد وخارجها.


ومن أهم ما يميز مشروعه الفني أنه لم يتعامل مع التراث باعتباره مادة جامدة لكنه أعاد إنتاجه في قالب حديث. استعار الإيقاعات الشعبية واستثمر النقارة والطنبارة وأدخل مفردات الحياة الريفية إلى الأغنية الحديثة دون تكلف.
وتبرز هذه الفلسفة بوضوح في أغنية “يا تومي طرينا”، التي تعد واحدة من أهم النماذج في توظيف الموروث الشعبي. فالأغنية تحتفي بإيقاع النقارة وتستدعي مجتمع البقارة وتحتفل بجمال المرأة الريفية، مستخدمة لغة قريبة من الناس لكنها تحمل صوراً شعرية عميقة.


ولم يكن ذلك مجرد وصف فولكلوري وإنما كان دفاعاً عن ثقافة غرب السودان وإثباتاً لقدرتها على إنتاج فن راقٍ ينافس أي مدرسة غنائية أخرى. كما نجح في بناء شراكات متميزة مع عدد من كبار الشعراء وفي مقدمتهم محمد مريخا الذي شكل معه واحدة من أنجح الثنائيات في تاريخ الأغنية السودانية. فمن خلال هذه الشراكة خرجت أعمال خالدة مثل “رسوماتك”، و”السباتة”، و”المنديل”، و”جاني بريد طاير”، و”أشواق”، و”المعلم”.
هذه الأغنيات تكشف عن مستوى رفيع من الانسجام بين الشاعر والملحن والمطرب حتى يصعب أحياناً الفصل بين النص واللحن والصوت.


كما تعاون مع عبد الله الكاظم، الذي كتب له أعمالاً مثل “طبيق العسل” و”ست الفريق” و”يا تومي طرينا” وهي نصوص تحتفي بالبيئة السودانية وتفاصيلها اليومية.
وتعامل أيضاً مع فضيلي جماع وقاسم عثمان بريمة ومحمد عبد الله أبكر ومحمد عمر الأحدب وأمين إدريس وعمر عبد الغني وغيرهم، مما يعكس انفتاحه على مدارس شعرية متعددة.


ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أن عبد الرحمن عبد الله كان يلحن جميع أغنياته بنفسه. وهذه ميزة نادرة لأنها تعني أن الفنان كان يسيطر على العمل الفني منذ ولادة الفكرة وحتى خروجها إلى الجمهور.


ولذلك جاءت ألحانه منسجمة تماماً مع طبيعة صوته، ومع روح النصوص التي يختارها. فلم يكن يبحث عن التعقيد الموسيقي، بل عن اللحن الذي يخدم الكلمة ويبرز معناها.
وكان صوته يتمتع بخصائص جعلته مختلفاً عن كثير من أبناء جيله فهو صوت دافئ واضح المخارج قادر على الانتقال بين القرار والجواب بسلاسة ويملك مساحة واسعة للتعبير العاطفي.


أما أداؤه فكان بعيداً عن الاستعراض يعتمد على الصدق أكثر من الزخرفة وعلى الإحساس أكثر من القوة الصوتية. وربما لهذا السبب بقي قريباً من الناس.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن عبد الرحمن عبد الله أسس مدرسة غنائية قائمة على أربعة أعمدة رئيسية وهى احترام التراث والصدق في الأداء والاهتمام بالكلمة والالتزام بالهوية السودانية.


ولقد قاوم بصورة غير مباشرة موجات التغريب التي حاولت إبعاد الأغنية عن جذورها وأثبت أن المحلية الصادقة قادرة على الوصول إلى العالمية. ولم يكن مشروعه موجهاً إلى أبناء كردفان وحدهم بل إلى كل السودانيين. فقد وجد أبناء الشرق والشمال والوسط والجنوب أنفسهم في أغنياته لأنها كانت تتحدث عن الإنسان قبل المكان.
ومع مرور السنوات، أصبحت أعماله مرجعاً مهماً للباحثين في التراث الموسيقي السوداني لأنها احتفظت بمفردات ولهجات وإيقاعات بدأت تتراجع بفعل التحولات الاجتماعية.


واليوم، وبعد رحيله في القاهرة في الثامن من أكتوبر عام 2021، تبدو قيمة مشروعه أكثر وضوحاً. فالأغنية السودانية تواجه تحديات كبيرة من تغير الذائقة وهيمنة الإنتاج السريع وضعف الاهتمام بالتوثيق.
وفي مثل هذا الواقع، تبرز تجربة عبد الرحمن عبد الله باعتبارها نموذجاً لما يمكن أن يصنعه الفنان عندما يحترم جمهوره ويحترم ثقافته.


إن الحفاظ على إرث “بلوم الغرب” لا يكون فقط بإعادة بث أغنياته وإنما أيضاً بجمع تسجيلاته وتوثيق ألحانه ودراسة تجربته في المعاهد الموسيقية وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف على هذا التراث الثري.
كما أن مهرجاناً سنوياً يحمل اسمه في كردفان سيكون وفاءً مستحقاً لفنان منح الإقليم والسودان كله أجمل ما عنده وأسهم في ترسيخ الهوية الثقافية عبر الفن.


ولقد أثبت عبد الرحمن عبد الله أن الأغنية يمكن أن تكون وسيلة لحفظ التاريخ وأن اللحن قادر على حماية الذاكرة وأن التراث الشعبي ليس بقايا من الماضي لكنه مصدر دائم للإبداع.
ولذلك سيظل “بلوم الغرب” حاضراً في وجدان السودانيين، كلما صدح صوت يغني لبارا أو للتبلدي، أو للنقارة أو للريل أو لسهول كردفان الممتدة.
لقد رحل الجسد، لكن الصوت بقي. وبقيت معه مدرسة كاملة في الغناء عنوانها الوفاء للأرض والصدق مع الإنسان والإيمان بأن الفن الحقيقي لا يشيخ بل يزداد جمالاً كلما عبرت السنوات.


وسيظل عبد الرحمن عبد الله واحداً من أهم حراس الهوية الموسيقية السودانية وأحدى الأصوات التي أثبتت أن الإبداع يولد من عمق البيئة ويكبر بالاجتهاد ويخلده الإخلاص للفن. لذلك فإن سيرته ليست مجرد قصة مطرب ناجح لكنها قصة وطن غني بتنوعه الثقافي، استطاع أن يجد في صوت “بلوم الغرب” لساناً ينطق بجماله ويغني باسمه ويترك للأجيال إرثاً فنياً سيظل عصياً على النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى