زمن السلاطين والإدارات الأهلية انتهى: السودان يحتاج إلى شرعية مدنية جديدة

بقلم / ايوب محمد ( مجنق )
لم يعد ممكنًا النظر إلى الإدارة الأهلية في السودان باعتبارها الإطار القادر وحده على تنظيم المجتمع أو تمثيل مصالحه في زمن الحرب والتحول السياسي. فالمشهد السوداني اليوم يفرض أسئلة أعمق من مجرد الحفاظ على الموروث الاجتماعي؛ إنه يفرض إعادة تعريف الشرعية نفسها، ومنح الأولوية لشرعية مدنية تستند إلى المواطنة، والمؤسسات، وسيادة القانون، لا إلى الامتداد القبلي أو الرمزية التاريخية وحدهما.
لقد لعبت الإدارة الأهلية، لعقود طويلة، أدوارًا مهمة في الوساطة الاجتماعية، وحل النزاعات المحلية، وتخفيف الاحتكاكات بين الجماعات، خاصة في البيئات الريفية والمجتمعات التي ضعفت فيها مؤسسات الدولة. غير أن هذه الأدوار، مهما بلغت أهميتها التاريخية، لم تعد كافية لإدارة مجتمع معقد مثل السودان، خصوصًا بعد سنوات من التسييس، وتراجع الحياد، وتضارب الولاءات، وتفكك البنية المؤسسية بفعل الحرب. فالمشكلة لم تعد في وجود الإدارة الأهلية من عدمه، بل في مدى قدرتها على مواكبة واقع تغيّر جذريًا.
تحولات الشرعية في السودان
الشرعية في أي دولة حديثة تقوم على عقد اجتماعي يربط الفرد بالدولة بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لقبيلة أو سلالة أو جماعة مغلقة. وفي السودان، ظل هذا الانتقال معلقًا بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة، دون حسم واضح. لذلك بقيت الإدارة الأهلية في منطقة وسطى: ليست مؤسسة دولة كاملة، وليست كيانًا اجتماعيًا بريئًا من السياسة. ومع كل أزمة وطنية كبرى، كانت هذه المنطقة الرمادية تتحول إلى مصدر إشكال أكثر من كونها مصدر استقرار.
لقد أدت الحرب الجارية إلى تعميق هذا الإشكال. ففي بيئة تتصارع فيها القوى المسلحة، وتنهار فيها الخدمات العامة، وتتراجع فيها سلطة القانون، يصبح من السهل استدعاء الرموز التقليدية باعتبارها ملاذًا سريعًا. لكن هذا الاستدعاء، وإن بدا عمليًا على المدى القصير، يحمل مخاطر بعيدة المدى، لأنه يعيد إنتاج الانقسام، ويقوي منطق التمثيل ما قبل الوطني، ويضعف مشروع الدولة المدنية الذي يحتاجه السودان للخروج من دورات العنف المتكررة.
لماذا لم تعد الإدارة الأهلية كافية؟
تواجه الإدارة الأهلية اليوم ثلاثة تحديات رئيسية. أولها أنها لم تعد تمثل المجتمع كله، بل أجزاءً منه فقط، لأن المجتمع السوداني تغيّر اجتماعيًا وتعليميًا ومجاليًا، وصار أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في البنية التقليدية. وثانيها أن بعض مكونات الإدارة الأهلية دخلت، في أوقات مختلفة، في علاقات متشابكة مع السلطة السياسية أو القوى المسلحة، مما أضعف صورتها كوسيط محايد. أما التحدي الثالث فهو أن قضايا السودان المعاصرة، من النزوح والعدالة الانتقالية إلى إعادة الإعمار والحوكمة المحلية، لا يمكن حلها بمنطق الأعراف وحده، بل تحتاج إلى مؤسسات قانونية وإدارية محترفة.
الإدارة الأهلية قد تُسهم في التهدئة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا عن الدولة. وقد تساعد في المصالحة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تؤسس للعدالة. وقد تحفظ التوازنات المحلية، لكنها لا تنتج مواطنة متساوية. وهذه الفجوة هي جوهر الأزمة: حين تُمنح الأدوار التقليدية أكبر من طاقتها، تتحول من رافعة اجتماعية إلى عائق أمام بناء الدولة الحديثة.
السودان يحتاج إلى شرعية مدنية
البديل ليس إلغاء المجتمع الأهلي أو محو ذاكرته، بل إعادة ترتيب العلاقة بينه وبين الدولة. فالسودان بحاجة إلى شرعية مدنية جديدة تُبنى على أساس الكفاءة، والتمثيل الديمقراطي، والمساءلة، والمواطنة المتساوية. هذه الشرعية لا تعادي التقاليد، لكنها تضعها في مكانها الصحيح: مصدرًا اجتماعيًا للمساندة، لا مصدرًا للسلطة السياسية.
الشرعية المدنية الجديدة تعني أن تكون المجالس المحلية منتخبة، وأن تُدار الموارد عبر مؤسسات شفافة، وأن تُفصل الوساطة الاجتماعية عن النفوذ السياسي، وأن تخضع جميع الفاعلين، بما فيهم الرموز القبلية، لمنظومة قانونية واحدة. كما تعني أن يُعاد الاعتبار للمعرفة المهنية والإدارة الحديثة في حل النزاعات، بدل الاعتماد الحصري على الوجهاء والسلاطين والقيادات التقليدية.
نحو دولة ما بعد الحرب
إن الخروج من الحرب لا يبدأ فقط بإسكات البنادق، بل بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسه. والدولة التي يريدها السودانيون لا يمكن أن تقوم على توازنات تقليدية هشة، بل على عقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوع ولا يختزله في قبائل أو ولاءات محلية. وهذا يتطلب شجاعة فكرية وسياسية للاعتراف بأن زمن الإدارة الأهلية بوصفها مرجعية عليا للحكم قد انتهى، حتى وإن بقيت قيمها الاجتماعية حاضرة.
إن الإصرار على استدعاء الماضي كحل للحاضر هو أحد أسباب تعثر السودان. فالدولة المدنية لا تُبنى بالحنين، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالرموز وحدها، بل بالعدالة. ولا تستقر بالوساطات المؤقتة، بل بالشرعية المستندة إلى القانون والمساواة.
خاتمة
زمن السلاطين والإدارات الأهلية بمعناها السياسي القديم قد انتهى، لأن السودان دخل مرحلة لم تعد تحتمل السلطات الموروثة بوصفها بديلًا عن الدولة. المطلوب اليوم ليس صراعًا مع التاريخ، بل تجاوزًا له نحو شرعية مدنية جديدة تضع المواطن في المركز، وتعيد تعريف السلطة على أساس الخدمة العامة لا الامتياز الاجتماعي. وحده هذا المسار يمكن أن يفتح بابًا حقيقيًا لاستقرار السودان، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها على قدم المساواة.




