مقالات

الحواجز ..نقاط الاختفاء (24)


كتب : حسين سعد

في الخرطوم، لم تعد الحواجز مجرد نقاط تفتيش عابرة، بل تحولت إلى أماكن يتوقف عندها الزمن، وتبدأ بعدها احتمالات متعددة لا تقود دائمًا إلى النجاة. عند تقاطع شارع أو جسر أو مدخل حي، يمكن أن تتغير حياة أسرة كاملة في دقائق؛ شخص يدخل نقطة تفتيش ولا يخرج منها، أو يُطلب منه الانتظار، أو يُفصل عن مرافقه، أو يُنقل إلى جهة غير معلومة. في هذه اللحظات تحديدًا، لا يحدث الفقد بصوت عالٍ، بل في صمت شديد بلا وثيقة ولا سجل ولا شاهد مكتمل.

لحظة قف… وقفوا هنا:

يروي سامي علي (34 عامًا، اسم مستعار)
“كنا ماشيين في عربية مع بعض… أنا وأبوي وأخوي الصغير. في الخرطوم وقفونا عند ارتكاز
في البداية بدا الموقف روتينيًا كغيره من نقاط التفتيش، لكن سرعان ما بدأت تفاصيله تتغير
نزلوا كلنا… وبعدها فصلوا الرجال عن النساء وبدأوا يسألوا ، ثم جاءت اللحظة التي قلبت المشهد بالكامل
“في حركة غريبة حصلت… توتر وصوت إطلاق نار بعيد… وبعدها ما لقيت أخوي
ومن تلك اللحظة، اختفى شقيقي دون أي أثر أو معلومة تشير إلى مصيره.

في كثير من الحالات التي رُصدت، لا يستغرق الفقد سوى دقائق قليلة داخل أو حول نقاط التفتيش والارتكازات المتعددة، بعضها يتحرك من مكان لآخر، وبعضها يختفي بعد ساعات، وبعضها يُنشأ بشكل مؤقت حسب تطورات الميدان. كما أن عناصر هذه النقاط تتغير باستمرار، ولا تُدار في الغالب وفق نظام إداري واضح.
يقول أحد سائقي المركبات فضل حجب اسمه:

في الارتكازات يتم توقيفنا ، وانزال الركاب من العربة، بعضهم لايعود لاسيما الشباب
هذا الواقع جعل الحواجز تتحول من مجرد نقاط تفتيش إلى أماكن ينتج فيها الفقد بشكل مباشر، دون تتبع أو مساءلة أو حتى معلومات أولية عن المفقودين، عادة ما يتم، فصل الرجال في جهة، وفصل النساء في جهة أخرى، ثم يحدث ارتباك أو فوضى مفاجئة.

النساء المفقودات :

أنماط متكررة في حالات الاختفاء توضح الشهادات والتقارير أن حالات الاختفاء ترتبط غالبًا بظروف متشابهة، أبرزها: التنقل بحثًا عن احتياجات أساسية، المرور عبر نقاط تفتيش أو حواجز في الأيام الأولى لدخول القوات إلى مناطق جديدة، وهنالك حالات الفرار من مناطق الاشتباك
وفي صحيفة “مدنية نيوز” وشبكة إعلاميات ومنتدى الإعلام السوداني، كتبت الزميلة عائشة السماني تقريرًا بتاريخ 9 يوليو 2025 بعنوان: (السودان.. اختفاء النساء: قصص الحرب والألم والصمت).

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت النساء من أكثر الفئات تأثرًا بها، حيث لم تعد الحرب تهدد حياتهن فقط، بل طالت أحلامهن في التعليم والحياة الكريمة والصحة، وأصبحت الكرامة الإنسانية نفسها عرضة للانتهاك عبر الاختطاف والاستغلال والعنف.

تروي القصة حالة السيدة “سهام”، التي فقدت ابنتها رقية (19 عامًا) بعد خروجها من منزلهم في أم درمان لجلب احتياجات، ولم تعد منذ ذلك الحين. ورغم بحثها في كل الأماكن المحتملة—المستشفيات، المشارح، المساجد والأسواق—لم تجد أي أثر لابنتها. كما لجأت إلى القوات النظامية والمنظمات الحقوقية، بينها منظمة “صيحة”، التي تبنّت قضيتها وأنتجت فيلمًا توثيقيًا بعنوان “أين رقية؟”.
وتشير السماني إلى أن قصة رقية ليست حالة فردية، بل واحدة من مئات حالات الاختفاء القسري للنساء والفتيات منذ بداية الحرب.

وبحسب بيانات موثقة، سجلت مبادرة “صيحة” نحو 291 حالة اختفاء قسري لنساء وفتيات وطفلات حتى يونيو 2025، بينما وثق المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام 123 حالة بينها 7 قاصرات. كما أفادت جهات أخرى برصد حوالي 350 حالة اختفاء في بعض المناطق، عاد منها 84، لكن بعض العائدات تحدثن عن انتهاكات خطيرة.

وتوضح الإفادات أن التوثيق يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الخوف الاجتماعي، الوصمة، انقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول للمعلومات، إضافة إلى ضعف البلاغات من المناطق الريفية.

كما أشار تقرير “صيحة” إلى أن معظم حالات الاختفاء تحدث في الأيام الأولى لدخول قوات الدعم السريع إلى المناطق، خصوصًا في الخرطوم ثم الجزيرة وسنار، وغالبًا ما تكون خلال اقتحام المنازل أو أثناء التنقل اليومي للنساء للحصول على الاحتياجات الأساسية.

ومن بين الحالات الموثقة، حالة “جهاد فضل الله سليمان ناصر” التي اختفت أثناء خروجها لشراء دواء لابنها، إضافة إلى حالات أخرى تشير إلى اختفاء نساء أثناء وجودهن في سيارات مع أفراد من القوات، دون معرفة مصيرهن لاحقًا.
كما تحدثت تقارير عن أنماط خطيرة من الانتهاكات، تشمل الاحتجاز القسري والعمل القسري داخل المنازل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، ما يضيف بعدًا أكثر تعقيدًا لأزمة الاختفاء.

وفي جانب التوثيق، تعتمد الجهات المختصة على البلاغات الميدانية، والمنصات الإلكترونية، ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في التحقق بسبب الخوف، حذف المنشورات، وضعف الاتصال، وصعوبة الوصول للمناطق المتأثرة.

ويؤكد المختصون أن هذه الأزمة تتطلب آليات حماية مجتمعية أقوى، وتوسيع شبكات التوثيق، وتفعيل دور المؤسسات القانونية والدولية، مع ضرورة مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم الأسر نفسيًا وقانونيًا.

وفي ختام التقرير، تشدد “صيحة” على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا واسعًا بين المجتمع المدني والجهات الرسمية والدولية، لضمان كشف مصير المفقودات وحمايتهن، والحد من استمرار هذه الانتهاكات التي خلّفت آثارًا إنسانية عميقة على الأسر السودانية.
روايات متضاربة:
كما سجلت تقارير حالات اختفاء أثناء أنشطة يومية عادية مثل جلب الطعام أو الدواء، أو التنقل داخل المدينة.

شهادات إضافية ووقائع موثقة من بين الحالات الواردة في التقارير، حالة “جهاد فضل الله سليمان ناصر” التي اختفت أثناء خروجها لجلب دواء لابنها، مع روايات متضاربة حول آخر مكان شوهدت فيه.

كما تشير تقارير حقوقية إلى أن بعض النساء تعرضن للاحتجاز القسري أو الاستغلال في ظروف الحرب، مع صعوبة كبيرة في التحقق الكامل من هذه الوقائع بسبب غياب الشهود وتضارب المعلومات
جهود التوثيق والمتابعة تعتمد الجهات المعنية برصد حالات الاختفاء على مصادر متعددة تشمل
شبكات ميدانية من المحامين والناشطين، بلاغات الأسر، وتتبع منشورات وسائل التواصل الاجتماعي
لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة، أبرزها: الخوف من الإبلاغ، صعوبة التحقق من المعلومات
انقطاع الاتصالات، حذف المنشورات أو تضاربها، كما تعمل بعض الجهات مع آليات دولية مثل لجان الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري.

توصيات التقارير الحقوقية تدعو التقارير الحقوقية إلى مجموعة من الإجراءات، من بينها: تعزيز جهود تحديد أماكن المفقودين، إنشاء شبكات توثيق مجتمعية فعالة، دعم الأسر نفسيًا وقانونيًا، محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، تحسين آليات الرصد والإبلاغ، تعزيز التعاون مع الجهات الدولية.

الخاتمة من المحرر:

لم تعد الحواجز مجرد نقاط عبور، بل أصبحت نقاط انقطاع حقيقية بين الحياة والفقد. هناك لا تُغلق الطرق فقط، بل تُغلق معها القصص، ويبدأ الغياب بلا تفسير واضح.
ويبقى السؤال الذي يتكرر في كل شهادة: ماذا يحدث بعد “قف هنا”؟
لكن هذه ليست نهاية الحكاية، بل فصل من سلسلة أوسع
في الحلقة القادمة: الأسر التي تبحث بلا توقف بين الأمل والانكسار (يتبع).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى