مقالات

مؤتمر البجة وذاكرة التأسيس ووحدة شرق السوداني !!

مؤتمر البجة وذاكرة التأسيس ووحدة شرق السوداني !!

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

في تاريخ السودان الحديث يظلّ مؤتمر البجةواحداً من أبرز اشراقات الكيانات السياسية والاجتماعية التي ارتبطت بقضايا العدالة والتنمية ووحدة النسيج الاجتماعي في شرق السودان. ولم يكن المؤتمر مجرد منصة سياسية عابرة بل جاء تعبيراً عن وعيٍ مبكرٍ بأهمية تمثيل إنسان الشرق والدفاع عن حقوقه والحفاظ على التعايش بين المكونات شرق السودان المحلية المتعددة التي شكّلت عبر القرون خصوصية هذه المنطقة المهمة المفتاحيه والبوابة للسودان.


تشير الروايات التاريخية إلى أن أول رئيس لمؤتمر البجة كان الدكتور طه بلية الطبيب البشري الذي عمل بمدينة بورسودان والذي مثّل اختياره دلالة عميقة على روح الانفتاح والتقدّم التي كانت تسود المجتمع السوداني آنذاك. فالرجل بحسب السياق الاجتماعي والسياسي لذلك الزمن لم يكن من المكون البجاوي المباشر ومع ذلك حظي بثقة وإجماع المؤسسين في مشهد يعكس وعياً وطنياً متقدماً تجاوز الانتماءات الضيقة لصالح مشروع الوحدة وخدمة مطالب إنسان الشرق فى ذلك الوقت.


وقد شهد حي ديم عرب بمدينة بورسودان عام 1956 أول إجماع وتوافق حول قيام المؤتمر لمؤتمر البجة في لحظة تاريخية تزامنت مع ميلاد الدولة السودانية الحديثة بعد الاستقلال. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط مؤتمر البجة بقضايا التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية ورفع التهميش عن شرق السودان دون أن يتحول إلى كيان انعزالي أو قبلي وظل حريصاً على تمثيل مختلف المكونات الشرق المحلية بروح الشراكة الوطنية.


وفي انتخابات عام 1964 برز اسم محمد الطاهر أبوبكر، الذي يقيم حالياً بالولايات المتحدة الأمريكية، ضمن القيادات التي واصلت مسيرة المؤتمر بعد جيل التأسيس، ثم تعاقبت شخصيات أخرى على قيادة التنظيم من بينهم شيخ طه ثم عمر محمد طاهر، وأخيراً موسى في مسيرة طويلة عكست تطور العمل السياسي والاجتماعي في الإقليم.


لقد لعب الآباء المؤسسون لمؤتمر البجة دوراً محورياً في حماية وحدة شرق السودان ليس فقط عبر المطالبة بالحقوق السياسية والخدمية وإنما أيضاً من خلال المحافظة على التوازنات الاجتماعية والعلاقات التاريخية بين قبائل شرق السودان ومكوناته المحلية المختلفة. فقد أدركوا حزب موتمر البجة مبكراً أن قوة الشرق تكمن في تنوعه وأن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح إذا بُني على الإقصاء أو العصبية القبلية.


ومن المهم اليوم في ظل التحديات التي تواجه السودان إعادة قراءة تجربة مؤتمر البجة بعيداً عن الاستقطاب السياسي والنظر إليها باعتبارها تجربة وطنية سعت إلى تحقيق المشاركة العادلة والتنمية وحفظ التعايش الاجتماعي فى شرق السودان.
فالتاريخ لا يخلّد فقط من يرفع الشعارات لكنة سيخلّد من يؤسس لوحدة الناس ويمنع انقسام المجتمعات.


إن شرق السودان بما يحمله من عمق تاريخي وثقافي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام روح المؤسسين الأوائل وخاصة تلك الروح التي جعلت من مؤتمر البجة منبراً للوحدة لا أداةً للفرقة ومنبراً للدفاع عن الإنسان لا وسيلة للصراع القبلي. ولذلك ستظل تجربة المؤتمر جزءاً أصيلاً من ذاكرة السودان السياسية والاجتماعية وشاهداً على مرحلة كان فيها الحوار والتوافق مقدّمين على الانقسام والتنازع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى