مقالات

هل كان ما ظهر بعد حرب 15 أبريل 2023 النتيجة الطبيعية لمشروع النخب السودانية وإدمان الفشل؟

بين النضال والمبادئ والانتهازية

هل كان ما ظهر بعد حرب 15 أبريل 2023 النتيجة الطبيعية لمشروع النخب السودانية وإدمان الفشل؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد

ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية، بل هي لحظات تكشف حقيقة المجتمعات وتختبر صدق الأفكار والشعارات. وما حدث في السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 لم يكن مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل كان امتحانًا قاسيًا للنخب السياسية والفكرية والاجتماعية التي تولت قيادة البلاد لعقود.

أعترف بأن هذه الحرب كشفت ما كنا نتردد في الاعتراف به. فقد سقطت أقنعة كثيرة، واختلط النضال الحقيقي بالانتهازية، وتراجعت المبادئ أمام المصالح. وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام نتائج الحرب فقط، أم أننا نحصد اليوم ثمار مشروع سياسي وفكري ظل يعيد إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل؟

كان النضال في كل تجارب الشعوب قيمة أخلاقية قبل أن يكون وسيلة للوصول إلى السلطة. فهو يقوم على التضحية من أجل الوطن، واحترام الإنسان، والتمسك بالمبادئ مهما كانت التحديات. لكننا في السودان، في كثير من الأحيان، حوّلنا النضال إلى وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية، لا إلى قيمة أخلاقية ثابتة.

رفعت قوى سياسية شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة، لكنها تعاملت معها أحيانًا باعتبارها أدوات للمنافسة لا مبادئ ملزمة. لذلك لم يكن غريبًا أن تتغير المواقف بتغير موازين القوى، وأن تنتقل بعض القيادات من معسكر إلى آخر، وأن تتحول التحالفات إلى صفقات مؤقتة تحكمها المصالح أكثر مما تحكمها الرؤية الوطنية.

كما أظهرت الحرب أن المبادئ كانت أول ضحايا الصراع. فعندما تصبح السلطة هي الغاية، يصبح التخلي عن المبادئ أمرًا سهلًا. رأينا من تحدثوا عن الديمقراطية يبررون العنف، ومن رفعوا شعار وحدة الوطن ينحازون إلى مشاريع تزيد الانقسام عندما تعارضت الوحدة مع مصالحهم السياسية.

هذه المواقف لم تُضعف الثقة في القوى السياسية فحسب، بل جعلت كثيرًا من المواطنين ينظرون إلى السياسة باعتبارها ساحة للمصالح والخداع، لا وسيلة لخدمة المجتمع وبناء الدولة.

وأعترف أيضًا بأن الانتهازية لم تعد مجرد تصرفات فردية، بل تحولت إلى ثقافة سياسية متكررة. ففي كل مرحلة تظهر وجوه جديدة، لكن الممارسات القديمة تعود بأشكال مختلفة؛ تبديل للمواقف، وتغيير للتحالفات، وسعي دائم إلى النفوذ، حتى وإن كان الثمن إضعاف الدولة أو تمزيق المجتمع.

ومن أكثر ما يدعو إلى التأمل أن السودان ظل يكرر الأخطاء نفسها منذ الاستقلال. صراعات على السلطة، وانقلابات عسكرية، وحروب أهلية، واتفاقات لا تصمد طويلًا، ثم نعود إلى نقطة البداية. وكأننا لم نتعلم من تجاربنا، ولم نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة أنفسنا والاعتراف بأخطائنا.

لقد قال الفيلسوف الأمريكي جورج سانتايانا: “من لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه بتكراره.” ويبدو أن هذه العبارة تنطبق بدرجة كبيرة على واقعنا السوداني. فبدلًا من ممارسة النقد الذاتي، ظل كل طرف يلقي المسؤولية على الآخر، بينما بقيت الأسباب الحقيقية للأزمة دون معالجة.

والحقيقة أن حرب أبريل لم تصنع الأزمة، لكنها كشفت عمقها. فقد أظهرت هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف الثقافة الديمقراطية، وغياب المشروع الوطني الجامع، كما كشفت حجم الانقسام الاجتماعي، ومدى تأثير الخطابات القبلية والجهوية في الحياة العامة.
كما أكدت أن الدولة لا يمكن أن تستقر ما دام الولاء للحزب أو القبيلة أو الجماعة المسلحة يسبق الولاء للوطن.

وفي تقديري، فإن أزمة السودان ليست سياسية فقط، بل هي أيضًا أزمة اجتماعية وثقافية. فالسياسة تعكس قيم المجتمع، وعندما تنتشر ثقافة الإقصاء، ويضعف الحوار، ويُعامل الخصم باعتباره عدوًا لا شريكًا في الوطن، تصبح الحرب احتمالًا دائمًا.

ولهذا فإن إعادة بناء السودان لا تبدأ بإعادة بناء المؤسسات وحدها، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترسيخ قيم المواطنة، واحترام القانون، وقبول التنوع، وتعليم الأجيال الجديدة أن الاختلاف السياسي لا يبرر الكراهية أو العنف.

ويبقى السؤال: هل كان هذا المصير حتميًا؟

من الناحية الفلسفية، لا يوجد تاريخ تحكمه الحتمية المطلقة، فالشعوب قادرة دائمًا على تغيير مسارها عندما تمتلك الإرادة والرؤية والقيادة المسؤولة. لكن استمرار الأخطاء نفسها، وغياب المحاسبة، وإصرار النخب على تكرار الأساليب القديمة، جعل النتائج تبدو وكأنها قدر لا يمكن تجنبه، بينما هي في الحقيقة نتاج قرارات بشرية كان من الممكن أن تكون مختلفة.
لقد كشفت حرب 15 أبريل 2023 أن السودان لا يواجه أزمة سلطة فحسب، بل يواجه أزمة مشروع وطني، وأزمة نخب، وأزمة ثقافة سياسية.

ولن يكون الخروج من هذه الدائرة ممكنًا إذا استمرت الانتهازية في ارتداء ثوب النضال، وإذا بقيت المبادئ مجرد شعارات تُرفع في أوقات الاستقرار ثم تُنسى عند أول اختبار.

إن مستقبل السودان لن يصنعه من يكرر أخطاء الماضي، بل أولئك الذين يمتلكون شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ويؤمنون بأن الوطن أكبر من الأحزاب والجماعات والأشخاص، وأن المبادئ تُثبتها المواقف الصعبة، لا الخطب والشعارات.

فالدول لا تنهض بكثرة الشعارات، وإنما بصدق المواقف، ونزاهة القيادة، وسيادة القانون، وتقديم المصلحة الوطنية على كل مصلحة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى