مقالات

المسكوت عنه في السودان : الحقيقة المؤجلة وكلفة الصمت الوطني !

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

كيف صنع المسكوت عنه أزمات السودان المزمنة؟
عندما تتحول الأسئلة المؤجلة إلى أزمات وطنية
في حياة الأمم كما في حياة الأفراد لا تختفي القضايا بمجرد تجاهلها ولا تموت الأسئلة الصعبة لأنها لم تُطرح على الملأ. فهناك دائماً منطقة معتمة في الوعي الجمعي للمجتمعات تُعرف بما يسميه علماء الاجتماع والفلاسفة بالمسكوت عنه وهي تلك المساحات التي تتجنب الجماعات السياسية والثقافية والاجتماعية الاقتراب منها خشية الاصطدام بالموروث أو السلطة أو المصالح الراسخة.


وفي السودان تبدو ظاهرة المسكوت عنه أكثر من مجرد حالة ثقافية أو اجتماعية فهي تكاد تكون مفتاحاً تفسيرياً لفهم كثير من الأزمات التي رافقت الدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى الحرب الراهنة. فخلف كل أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كبرى نجد سؤالاً مؤجلاً أو حقيقة غائبة أو نقاشاً لم يكتمل.


لقد ظل السودان لعقود طويلة يدير أزماته بمنطق التأجيل لا الحل وبسياسة التعايش مع المشكلات بدلاً من مواجهتها الأمر الذي جعل القضايا المؤجلة تتحول مع الزمن إلى ألغام انفجرت في وجه الدولة والمجتمع معاً.
المسكوت عنه قراءة فلسفية في صناعة الأزمة
يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة لا تمارس نفوذها فقط عبر ما يُقال وإنما أيضاً عبر ما يُمنع من القول. فالصمت ليس غياباً للكلام لكنة هو جزء من منظومة إنتاج المعرفة والهيمنة.


ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى التجربة السودانية بوصفها تاريخاً طويلاً من إدارة الصمت حول قضايا أساسية تتعلق بالهوية والسلطة والثروة والعدالة. فبدلاً من تحويل هذه القضايا إلى موضوعات للنقاش الوطني المفتوح جرى في أحيان كثيرة تطويقها بالشعارات أو تأجيلها عبر تسويات مؤقتة.


أما الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس فقد ربط تقدم المجتمعات بوجود مجال عام يسمح بالحوار الحر بين المواطنين. وعندما يضيق هذا المجال أو تهيمن عليه السلطات السياسية أو الاجتماعية تصبح الحقيقة ضحية للصمت وتتحول الأزمات إلى وقائع مزمنة.
ولعل السودان يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الفكرة إذ ظلت العديد من القضايا المصيرية خارج دائرة النقاش المجتمعي الحر. الأمر الذي أضعف فرص الوصول إلى توافقات وطنية مستقرة.


ان الهوية الوطنيةهى السؤال الذي لم يُحسم.
منذ فجر الاستقلال ظل السودان يعيش جدلاً مكتوماً حول تعريف ذاته. هل هو بلد عربي؟ أم أفريقي؟ أم فضاء متعدد الهويات والثقافات؟
هذا السؤال لم يكن نظرياً أو أكاديمياً لكنه كان مرتبطاً مباشرة بطبيعة الدولة ومناهج التعليم والثقافة والسياسة وتوزيع السلطة. لكن بدلاً من إدارة هذا التنوع عبر مشروع وطني جامع قد جرى في كثير من الأحيان التعامل معه بمنطق الغلبة الثقافية أو التهميش المتبادل.
ويشير عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز إلى أن الأزمات الكبرى تنشأ عندما تفشل المجتمعات في بناء سردية مشتركة تستوعب اختلافاتها. وهذا ما جعل قضية الهوية في السودان تتحول من تنوع طبيعي إلى مصدر للصراع السياسي والعسكري.


فالحروب التي تشهدها البلاد الان لم تكن في جوهرها نزاعات عسكرية فقط بل كانت انعكاساً لأسئلة لم تجد إجابات عادلة داخل إطار الدولة الوطنية.
فالمركز والهامش هى الجغرافيا التي تحولت إلى سياسة ومن أكثر الملفات حضوراً في قائمة المسكوت عنه فى السوداني هى قضية العلاقة بين المركز والأطراف.


فلسنوات طويلة ظلت التنمية والخدمات وفرص المشاركة السياسية تتركز في مناطق محددة بينما شعرت أقاليم واسعة بالتهميش الاقتصادي والسياسي. ولم يكن الأمر مجرد تفاوت تنموي عادي لكنه أصبح مع الوقت مصدراً لإعادة إنتاج الإحساس بالغبن وعدم المساواة.
ويذهب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن اختلال توزيع الموارد والفرص يؤدي إلى إنتاج ما يسمى بالعنف الرمزي حيث تشعر الجماعات المهمشة بأن وجودها وقيمتها أقل شأناً من غيرها.


وفي السودان تحولت هذه المشاعر تدريجياً إلى مطالب سياسية ثم إلى حركات احتجاجية ثم إلى نزاعات مسلحة في بعض المناطق. لتصبح أزمة المركز والهامش أحد أبرز تجليات المسكوت عنه فى الوطني.
ان الاقتصاد السوداني يمثل ثروة كبيرة وعليه هنالك أسئلة غائبة. وإذا كان الصمت السياسي قد ساهم في إنتاج النزاعات فإن الصمت الاقتصادي لعب دوراً لا يقل خطورة في تعميق الأزمات.


فالسودان يمتلك موارد زراعية ومائية ومعدنية هائلة لكنه ظل يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة. والسبب لا يعود إلى ندرة الموارد بقدر ما يرتبط بضعف الإدارة والشفافية والمؤسسات.
لقد ظلت ملفات الفساد والاقتصاد الموازي واحتكار بعض الأنشطة الاقتصادية وإدارة الموارد الطبيعية من القضايا التي لم تحظَ بالنقاش الكافي أو الرقابة الفعالة.


ويؤكد العديد من خبراء الاقتصاد السياسي أن التنمية لا تتحقق بوفرة الموارد وحدها وإنما بوجود مؤسسات قادرة على إدارة تلك الموارد وفق قواعد العدالة والكفاءة والمساءلة. وعندما تغيب هذه المؤسسات تتحول الثروة نفسها إلى عامل من عوامل الصراع.


فالنخب السياسية وثقافة هروبة من المراجعة.
ولعل أحد أخطر أشكال المسكوت عنه في السودان يتمثل في ضعف ثقافة النقد الذاتي داخل النخب السياسية.
فالأحزاب التقليدية والحركات المسلحة والأنظمة العسكرية وحتى بعض القوى المدنية كثيراً ما قدمت نفسها بوصفها جزءاً من الحل لكنها نادراً ما تعترف بأنها كانت جزءاً من المشكلة.
وقد أشار المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي إلى أن الأزمات التاريخية تتفاقم عندما تعجز النخب القديمة عن إنتاج حلول جديدةةوبينما تفشل القوى الجديدة في بناء بدائل مستقرة.
وهذا الوصف يكاد ينطبق على المشهد السوداني الذي ظل يدور لعقود داخل الحلقة نفسها من الانقلابات والانتفاضات والاتفاقات المؤقتة دون معالجة جذرية للأسباب البنيوية للأزمة.


تظل حرب أبريل لحظة انكشاف المسكوت عنه
عندما اندلعت الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنافستين لكنها كانت لحظة تاريخية كشفت حجم التراكمات التي ظلت مختبئة تحت سطح المشهد السوداني. ولقد أظهرت الحرب هشاشة الدولة وضعف المؤسسات وعمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وكشفت أن كثيراً من الملفات التي جرى تجاهلها لعقود لم تختفِ بل كانت تتراكم بصمت حتى انفجرت بصورة أكثر عنفاً وكلفة.
وأثبتت التجربة أن المشكلات المؤجلة لا تموت لكنها تعود دائماً بأشكال أكثر تعقيداً وخطورة.

إن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم لا يتمثل فقط في وقف الحرب أو إعادة بناء ما دمرته المعارك ولكن في امتلاك الشجاعة الوطنية لفتح الملفات التي ظلت مغلقة لعقود.
فالمطلوب ليس مجرد تسويات سياسية عابرة بل تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع وتعدد والعدالة في توزيع السلطة والثروة والشفافية في إدارة الموارد والمساءلة في ممارسة الحكم.


إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تخلو من الأزمات لكنها تلك التي تمتلك الجرأة على مواجهة أزماتها قبل أن تتحول إلى كوارث.

فالحقيقة المؤجلة أغلى كلفة من الحقيقة المعلنة
ربما يكون الدرس الأهم في التجربة السودانية أن الصمت لا يصنع الاستقرار وأن تجاهل المشكلات لا يؤدي إلى اختفائها. فالمسكوت عنه ظل لعقود طويلة يشكل الجانب الخفي من المشهد السوداني لكنه كان في الوقت نفسه القوة غير المرئية التي أعادت إنتاج الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


واليوم وبعد سنوات من النزاعات والانقسامات والحروب تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى للانتقال من ثقافة المجاملة السياسية إلى ثقافة الحقيقة ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها ومن الصمت الذي يحفظ الأزمات إلى الحوار الذي يصنع المستقبل.


فالأمم لا تنهض بما تخفيه من حقائق وإنما بما تملكه من شجاعة لمواجهتها. والسودان إذا أراد بناء دولة مستقرة وعادلةة لا بد أن يبدأ أولاً بفتح أبواب الحديث عن كل ما ظل طويلاً في دائرة المسكوت عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى