بلاغ لـ الرأي العام | الشرفاء لا يسرقون حليب الأطفال ولا يبددون أموال الإغاثة (1)

يقول الـ بروفسير حيدر إبراهيم: “إن سكتنا على فساد من هم معنا، فبأي حق نفضح فساد الإخوان؟”، ويؤكد عبد الواحد محمد نور أن المشكلة ليست في الأشخاص بل في “السلوك الإجرامي”، إذ يمكن قبول الأفراد متى ما تغيّر سلوكهم، وكما عبّر د.جون قرنق عن ذات المعنى حين شدد على ضرورة الحيلولة بين المفسدين والسلطة حتى وأن كانت رمزية.
في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ بلادنا، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل يمكن أن نتغاضى عن فساد من هم في صفنا؟ هذا السؤال ليس نظرياً.. إنه يمسّ جوهر العلمليات والتفاعلات السياسية.
هذا البلاغ يجب أن لا يفهم كـ استهداف لـ أشخاص بعينهم، وإنما محاولة لـ فهم كيف يمكن أن تتحول معاناة الناس – الجوع، النزوح، فقدان الأمان – لـ فرصة ربح، أو وسيلة لـ النفوذ، وكيف تتقاطع – بوعى أو بدون – مع رؤى سياسية تعبر عن نفسها بـ صورة اخلاقية.
بدأت قصة الشخصية رقم (1) “ب ع” ببساطة مع مجموعة من شباب ديسمبر بالخرطوم، لديهم فرقة موسيقية، يحلمون بأن يقدموا شيئاً مختلفاً، أعمالاً توعوية تعبّر عن واقعهم.
دخل إلى حياتهم شاب قدّم نفسه كـ خبير منظمات.
بدأ واثقاً، يعرف كيف تُكتب المقترحات وكيف يأتي التمويل.
بالنسبة لهم، كان ذلك طوق نجاة.
وبالفعل، جاء الدعم، وأن كان لا يتوافق مع المطلوب.
لكن ما لم يدركوه وقتها أن هذا الدعم كان نهاية الطريق.
ببطء، فقدوا السيطرة على مشروعهم.
ثم مزاعم فساد.
ثم بدأ الخلاف.
ثم توقفت الفرقة.
وحقق هدفه الذي كان واضح منذ اللحظة الآولي.
لاحقاً بعد إندلاع الحرب، انتقل نفس الشاب إلى نيروبي، حيث يعمل كثير من السودانيين في المنظمات.
هناك، تغير حجم اللعبة، حيث – العملية السياسية – الساسة المناهضين لـ الحرب.
أموال إغاثة، ومنح يفترض أن تذهب لمن هم في أمسّ الحاجة إليها، لا سيما المستجيبين المدنيين بالخطوط الأمامية.
لكن ما حدث – بحسب إفادات متقاطعة – كان شيئاً آخر.
أصبحت أبواب المنظمة، بما في ذلك (المنح) تُفتح عبر خصوبة النساء، حيث عمل كـ قواد لمدير المنظمة (من جنسية شمال افريقية)، وما سهل مهمته أن ذات المدير كان مقرباً من شخصية دولية تعمل على إنهاء الأزمة في السودان.
وفي الوقت نفسه، كانت أجزاء من الأموال تعود بطرق غير رسمية إلى نفس الشبكة التي تدير العملية، وهذه النهج أصبح عرف غير مستهجن، وقد عانت منه معظم المنظمات وغرف الطورائ ولا تزال.
والنتيجة؟ أشخاص يحصلون على الدعم دون أن يصل أثره الحقيقي لـ من يحتاجه، بينما يبقى الواقع كما هو: لاجئون بلا دعم كافٍ، وداخل يعاني دون تغيير ملموس.
هذه الممارسات لم تبقَ فردية.
هناك من رأى فيها “كفاءة” يمكن توظيفها لـ تحقيق سيطرة سياسية على الفضاء المدني، ونشير لهذه الشخصية بـ”الصول ب ج”
فكرته بسيطة لكنها خطيرة:
بدلاً من دعم المجموعات القاعدية – لجان المقاومة، المبادرات الشبابية، الأجسام المهنية – يتم إضعافها، ثم استبدالها بهياكل أسهل في السيطرة.
(وقد كان محرر هذه المقال شاهداً على طرح هذه الورقة في إحدى المؤسسات الثقافية بالخرطوم، عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021).
ومع توفر التمويل، يصبح بالإمكان إعادة تشكيل المشهد بالكامل، لكن هذه المرة من أعلى، لا من القاعدة.
وهكذا، يتحول العمل المدني لـ شبكة علاقات ومصالح، تجعل منه شخصية محورية.
وفي هذا السياق والتوقيت تمت مكافاءة لجهود الشاب (ب ع) حيث تم ترتيب وظيفة مهمة له داخل إحدى المنظمات الأوروبية، بميزانية كبيرة، لمواصلة النهج ذاته، وبصورة أكثر تنظيماً وفعالية، مع التقاضى عن سلوكه الإجرامي والتستر عليه.
وهذه المرة، جاءت المهمة ضمن خطة واضحة تستهدف إضعاف المجموعات الثورية وإعادة تشكيل المشهد المدني.
وسرعان ما أُبرمت اتفاقيات بأكثر من 1,000,000 يورو مع منظمات معظمها يقودها فاعلون من داخل الدائرة الضيقة لـ”الصول”، بهدف استكمال عملية التفكيك.
وتشير المعطيات إلى أن هذه العملية جارية بوتيرة متسارعة لـ الغاية، وبدفع قوي.
والسوال: لماذا يهمنا هذا الآن؟
لـ أن المسألة تمسّ أشياء أعمق:
ثقة الناس في العمل العام.
سلامة من يفترض أنهم الأكثر ضعفاً.
مستقبل أي محاولة لبناء شيء حقيقي لـ هذا البلد.
ونعلم أن الصمت هو جزء من المشكلة، ونعتذر عن صمتنا فيما مضى،
وندرك أن هذه الدائرة ضيقة، لكنها تحتمي بقادة سياسيين بارزين
وغير مطلوب الإدانة بالجملة، ولا شيطنة الجميع.
ببساطة: أن نسمّي الأشياء بأسمائها،
لـ أن الشرفاء – ببساطة – لا يسرقون حليب الأطفال،
ولا يبددون أموال الإغاثة لـ تنفيذ مشاريعهم الحزبية أو هذيانهم الفكري.
يتبع..
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
24 ابريل\نيسان 2026
نتحفظ على الأسماء والصفات في هذه الإحاطة لـ الرأي العام، التزاماً بالمعايير المهنية والقانونية الجاري العمل بها، ونؤكد أن كافة البيانات الواردة في هذا المقال مستمدة من قاعدة بيانات “مرصد العمليات والتفاعلات السياسية” التابع للمعهد.




