الدورس والعبر من اتفاقية وستفاليا 1648 (2)

الدورس والعبر من اتفاقية وستفاليا 1648 (2)
المسؤولية وحماية الإنسان عندما تصطدم بموازين القوة
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
csda22026@gmail.com
منذ أن شهد العالم رواندا والبوسنة، لم يعد الحديث حماية المدنيين من الفظائع الجماعية شأناً داخلياً خالصاً. فقد كشفت تلك المآسي حدود الفكرة التقليدية للسيادة عندما تتحول الدولة أو يعجز أطراف النزاع داخلها عن حماية الإنسان من الإبادة وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.
ومن هنا برز مبدأ المسؤولية عن الحماية، بوصفه محاولة لإعادة تعريف السيادة بان الدولة هى صاحبة المسؤولية الأولى عن حماية سكانها والمجتمع الدولي مسؤول عن مساعدتها وإذا فشلت بصورة واضحة، تصبح أمام المجتمع الدولي مسؤولية التحرك وفق قواعد ميثاق الأمم المتحدة. وقد أقر قادة العالم هذا الالتزام في وثيقة القمة العالمية عام 2005.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هو هل حماية الإنسان قيمة تستحق الدفاع عنها؟ لكن هل يستطيع النظام الدولي تطبيق هذه القيمة بصورة متسقة عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى؟
ومن سيادة الدولة إلى مسؤولية الدولة، جاءت المسؤولية عن الحماية لتضع قيداً أخلاقياً وسياسياً على الفهم المطلق للسيادة. فالسيادة وفق هذا التصور، ليست حصانة تسمح بارتكاب الفظائع خلف الحدود وإنما مسؤولية تبدأ من الداخل. وقد حددت وثيقة 2005 أربع جرائم بصورة واضحة هم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. كما قسمت المسؤولية عملياً إلى مستويات تبدأ بالوقاية وبناء قدرة الدولة على حماية مواطنيها، ثم المساعدة الدولية وصولاً إلى العمل الجماعي عندما تفشل الوسائل السلمية وتكون السلطات عاجزة بصورة واضحة عن حماية السكان.
وهنا تبرز نقطة مهمة وهى المبدأ لا يعني أن أي دولة تستطيع أن تتدخل عسكرياً في دولة أخرى متى ادعت وجود انتهاكات. فالعمل القسري الدولي وخصوصاً استخدام القوة، يرتبط بميثاق الأمم المتحدة واختصاص مجلس الأمن وليس بمجرد إعلان دولة أو مجموعة دول أنها تتحرك باسم الإنسانية.
من ليبيا إلى عالم أكثر انقساماً، كانت ليبيا عام 2011 إحدى أبرز محطات اختبار المبدأ. فقد أصدر مجلس الأمن القرار 1973، الذي استند إلى حماية المدنيين وأجاز اتخاذ إجراءات عسكرية محددة. لكن ما حدث بعد ذلك أثار جدلاً واسعاً حول حدود التفويض، بعدما رأت دول عدة أن مسار العملية تجاوز الحماية المباشرة للمدنيين إلى دعم مسار أفضى إلى تغيير النظام. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في موقف عدد من الدول، خصوصاً تلك التي خشيت أن تتحول المسؤولية عن الحماية إلى مدخل للتدخل السياسي. ومنذ ذلك الحين أصبح النقاش أقل ارتباطاً بالسؤال الأخلاقي وحده، وأكثر اتصالاً بمن يملك حق تفسير الخطر ومن يحدد طبيعة الاستجابة له ومن يضمن ألا تتحول الحماية إلى مشروع سياسي آخر.
وفي سوريا، ظهر الوجه الآخر للمشكلة، إذ عجز مجلس الأمن عن الاتفاق على إجراءات جماعية أكثر قوة بسبب الخلاف بين القوى الكبرى واستخدام حق النقض، بينما استمرت الحرب واتسعت الكلفة الإنسانية.
وهكذا أصبح المبدأ محاصراً بين تجربتين هما الخوف من التدخل عندما يكون القرار ممكناً، والخوف من العجز عندما يكون القرار معطلاً.
وفى السودان أين تقف مسؤولية العالم؟ ربما يقدم السودان أحد أكثر الاختبارات وضوحاً لهذا السؤال. فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 خلقت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم وترافقت مع انتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. وقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، في تقارير منشورة منذ اندلاع الحرب، انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف النزاع، قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم دولية. كما وثقت تقارير أممية وحقوقية متعاقبة أعمال قتل ونزوح وانتهاكات في الفاشر ودارفور والخرطوم والجزيرى ومناطق أخرى، وحذرت من مخاطر ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من دون الجزم بأي أرقام أو استنتاجات مستقبلية لا يمكن التحقق منها قبل صدور مصادر رسمية منشورة. وتطرح هذه الوقائع سؤالاً يتجاوز طرفي الحرب وهو ماذا تعني المسؤولية عن الحماية بالنسبة إلى ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين القتل والنزوح واللجوء والجوع وانهيار الخدمات؟ لا يعني ذلك الدعوة إلى تدخل عسكري خارجي، فالمبدأ نفسه لا يمنح تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة. لكن المسؤولية عن الحماية تشمل الضغط الدبلوماسي ومنع تدفق السلاح الذي يغذي الحرب وضمان وصول المساعدات ودعم التوثيق والمساءلة والتحرك المبكر لوقف القتال قبل أن تتحول التحذيرات إلى كوارث يصعب احتواؤها. وقد دعت بيانات أممية متعاقبة إلى تنسيق الجهود الدولية للحد من التصعيد ووقف تدفق الأسلحة والمقاتلين وأشكال الدعم التي تطيل أمد العنف في السودان، مع التشديد على حماية المدنيين والبنية التحتية وضمان وصول المساعدات.
المشكلة ليست في المبدأ وحده، الخلل الأكبر لا يكمن بالضرورة في فكرة حماية الإنسان وإنما في البيئة السياسية التي تتحرك داخلها. فمجلس الأمن يعكس موازين قوة نشأت في عالم مختلف، بينما أصبح النظام الدولي أكثر تعدداً وأشد تنافساً. وفي هذه البيئة، قد تتفق القوى الكبرى على توصيف الخطر، لكنها تختلف حول الوسيلة، أو قد تختلف منذ البداية حول طبيعة الأزمة نفسها. لهذا أصبحت الفجوة بين المبدأ والتطبيق التحدي الأبرز لشرعية المسؤولية عن الحماية. فعندما يرى الناس استجابة دولية قوية في أزمة واستجابة محدودة في أزمة أخرى ذات كلفة إنسانية كبيرة، يتضح أن الاعتراف النظري بواجب الحماية لا يضمن ممارسته على نحو متساوٍ. وتتحول الانتقائية عندئذ من مشكلة سياسية إلى أزمة ثقة في النظام الدولي نفسه.
وتتحفظ دول عدة على المسؤولية عن الحماية لأنها تخشى أن تنتقص من سيادتها أو تفتح الباب أمام تدخلات خارجية تُفرض بمعايير غير متساوية. كما ترى أن تطبيقها قد تحركه مصالح القوى الكبرى لا حجم المعاناة، وأن التفويضات الدولية قد تُوسَّع أو تُساءُ قراءتها لتبرير تغيير الأنظمة أو تحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز حماية المدنيين. لذلك تطالب هذه الدول بضمانات أوضح واحترام صارم لميثاق الأمم المتحدة وإعطاء الأولوية للوسائل السلمية.
وهنا لا ينبغي اختزال المسألة في اتهام المجتمع الدولي بالنفاق، فالأزمات تختلف في طبيعتها والقانون الدولي يفرض قيوداً على استخدام القوة ومجلس الأمن محكوم بتوازنات معقدة. لكن هذه القيود لا تلغي السؤال المركزي وهو لماذا يبقى الالتزام بحماية الإنسان قوياً في الخطاب، ومتفاوتاً في الفعل؟ ما لم تُجب المؤسسات الدولية عن هذا السؤال، ستظل شرعية المبدأ معلقة بين الاعتراف به والعجز عن تطبيقه.
من التدخل إلى الوقاية، ربما يكون الطريق الأكثر واقعية لتقليص الفجوة بين المبدأ والتطبيق هو إخراج المسؤولية عن الحماية من صورة التدخل العسكري وربطها أكثر بالتحرك المبكر. وتؤكد الأدبيات والبيانات الأممية المنشورة بشأن منع الفظائع الجماعية أن الوقاية ينبغي أن تندمج في جهود الوساطة والدبلوماسية الوقائية والأطر الإنسانية والحقوقية والمساءلة، وأن حماية السكان ينبغي أن تصبح ممارسة دائمة لا استجابة متأخرة بعد وقوع الكارثة. وهذا يعني أن السؤال الحقيقي يجب أن يبدأ قبل الحرب هو هل توجد آليات إنذار مبكر؟ هل توجد مؤسسات قادرة على معالجة النزاعات؟ هل توجد قنوات سياسية تمنع الانزلاق إلى العنف؟ هل تستطيع المنظمات الإقليمية التدخل بالوساطة قبل انهيار الدولة؟ وهل يمكن تجفيف مصادر الحرب بدلاً من انتظار وصولها إلى مرحلة يصعب فيها إنقاذ المدنيين؟
في إفريقيا، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة، لأن الحلول الإقليمية يمكن أن تكون أكثر اتصالاً بواقع النزاعات من الاستجابات البعيدة عنها، شريطة أن تمتلك المؤسسات الإقليمية الموارد والاستقلال والقدرة السياسية اللازمة.
بعد أكثر من عقدين على ظهور المسؤولية عن الحماية في النظام الدولي، لم تعد المشكلة في غياب الفكرة، لكن في الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد اتفق العالم على أن حماية الإنسان مسؤولية تبدأ من الدولة وأن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يقف متفرجاً عندما تقع جرائم الفظائع الجماعية، لكنه لم ينجح بعد في بناء آلية تجعل هذه المسؤولية متسقة وغير خاضعة بالكامل لموازين القوة.
ويظل السودان مثالاً مؤلماً على هذه الفجوة، فكل تحذير لا يتحول إلى وقاية وكل توثيق لا يتبعه ردع أو مساءلة وكل مبادرة تتأخر حتى تتسع الكارثة، يكشف المسافة بين ما يعلنه النظام الدولي وما يفعله فعلياً.
لذلك فإن مستقبل المسؤولية عن الحماية لن يتحدد بكثرة البيانات الدولية ولا بشعارات التدخل وإنما بقدرة المجتمع الدولي على تحويل الاعتراف بالمبدأ إلى حماية مبكرة واستجابة متسقة ومساءلة عادلة واحترام للقانون. عندها فقط يمكن أن تتحول السيادة من جدار يحتمي خلفه الأقوياء إلى مسؤولية حقيقية تجاه الإنسان وأن تصبح حماية المدنيين قاعدة مشتركة لا امتيازاً تحدده السياسة.



