استراحة الجمعة : الفنون الشعبية هى حاضر ومستقبل الشعوب السودانوية

استراحة الجمعة
الفنون الشعبية هى حاصر ومستقبل الشعوب السودانوية
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
من النقارة إلى الفرنقابية وأب قزة والوزاء والكرن
حين ترقص الجغرافيا على إيقاع الإنسان
في السودان لا يولد الفن من فراغٍ بارد ولا تنبت الموسيقى خارج تربة الانسان وذاكرته الجمعية. هنا يتشكل الإيقاع من وقع أقدام الرعاة على مسارات المطر ومن حنين النساء في مواسم الحصاد ومن صهيل الخيل في ساحات الفروسية ومن دوي وهدير النقارة في ليالي القبائل حين يشتعل الفرح أو تستدعي الأرض أبناءها للاجتماعات والاحتفالات الموسمية او الاعياد.
الفن الشعبي السوداني ليس مجرد غناءٍ للترفيه أو رقصاتٍ عابرة تُؤدى في المناسبات هو سجلٌ اجتماعي وثقافي عميق يحمل تاريخ الشعوب السودانية الموتنوعة كتنوع نباتاته وتربته وحفظت ملامحه الروحية والإنسانية عبر السنين.
من غرب السودان حيث تهدر النقارة وتتمايل الفرنقابية وأب قزة على إيقاعات القوة والجمال إلى النيل الأزرق حيث تنساب الوزاء مثل موج نهر النيل الازرف وأغاني الغابات والمطر وحتى جبال النوبة حيث يعلو الكرن كأنه نداء الأرض للحرية والحياة فتتجلى أمامنا لوحة سودانوية مشبعة بالتنوع لكنها موحدة في جوهرها الإنساني والإبداعي.
إن الفن الشعبي السوداني هو التعبير الأكثر صدقاً عن روح الشعوب السودانية فهو الفن الذي لم تصنعه المؤسسات ولا المدن الحديثة لكنه صنعته القرى والبوادي والجبال والأنهار وحملته الأجيال جيلاً بعد جيل حتى صار أحد أعظم كنوز الهوية السودانية وأكثرها عمق وثراءً.
ان الفن الشعبي السوداني يمثل ذاكرة الشعوب وصوت الهامش المونساب فى ليالية ونهاراته.
تميز السودان عبر تاريخه بتعدد إثني وثقافي نادر انعكس بصورة مباشرة على أشكال الغناء والرقص والإيقاع الشعبي. فكل منطقة أنتجت فنونها الخاصة المرتبطة ببيئتها وطبيعة حياتها وأنماط اقتصادها وعلاقاتها الاجتماعية حتى أصبح الفن الشعبي السوداني أشبه بخريطة ثقافية حية يمكن عبرها قراءة المجتمع السوداني بكل تعقيداته وتنوعه.
ولعل ما يميز هذه الفنون أنها لم تكن معزولة عن الحياة اليومية فارتبطت بالزراعة والرعي والحرب والسلام والزواج والحصاد والهجرة والطقوس الروحية. لذلك ظل الفن الشعبي في السودان فناً حياً نابضاً بالحركة لا مجرد تراث محفوظ في الكتب أو المتاحف.
النقارة هو الإيقاع الذي يشبه نبض الأرض موجود
في غرب السودان خصوصاً في دارفور وكردفان وتبرز النقارة كواحدة من أعظم الآلات الإيقاعية وأكثرها حضوراً في الوجدان الشعبي. فالنقارة ليست مجرد طبل لكنها مؤسسة اجتماعية كاملة تحمل معاني الهيبة والقوة والتواصل الجماعي.
حين تدق النقارة في ليالي البادية تتوحد القبيلة حول الإيقاع وتتحول الساحات إلى فضاءات للرقص الجماعي والتعبير الجسدي الذي يمتزج فيه الحماس بالفروسية والشجاعة والكرامة. وقد ارتبطت النقارة تاريخياً بالحرب أحياناً وبالأفراح والمناسبات الاحتفالية أحياناً لكنها في الحالتين ظلت رمزاً للحضور الجمعي والتماسك الاجتماعي.
وتحمل رقصات النقارة سمات القوة والانضباط حيث تتحرك الأجساد في تشكيلات جماعية تعكس وتمثل روح الجماعة أكثر من الفرد وكأن الراقصين يكتبون بالإيقاع قصة الأرض والناس والحياة.
الفرنقابية وأب قزة وجماليات الجسد والفرح الشعبي
وأما الفرنقابيةوأب قزة فهما من الرقصات الشعبية التي تعكس البعد الاحتفالي والوجداني للفن في غرب السودان. ففي هذه الرقصات تتحول الحركة إلى لغة جمالية كاملة تتداخل فيها الزينة الشعبية مع الإيقاع والغناء الجماعي.
وتكشف هذه الفنون عن حسٍ جمالي رفيع لدى المجتمعات المحلية إذ لا يقتصر الإبداع على الموسيقى وحدها بل يشمل الأزياء والألوان وطريقة الأداء والحضور المسرحي الشعبي الذي يتكون بصورة عفوية لكنه يحمل دلالات فنية عميقة.
كما أن هذه الرقصات تمثل مساحة اجتماعية للتواصل والتعبير عن الفرح والانتماء وتؤكد أن المجتمعات السودانية ظلت تنتج فنونها الخاصة بعيداً عن المركز الثقافي التقليدي وهو ما يمنح فنون الهامش السوداني قيمة حضارية كبيرة.
الوزاء في النيل الأزرق حين يغني النهر والغابة
تتخذ الفنون الشعبية عندها بعداً مختلفاً حيث تمتزج الإيقاعات بحركة الطبيعة فـالوزاء ليست مجرد رقصة لكنها انعكاس للعلاقة الحميمة بين الإنسان والبيئة المحيطة به.
هنا تتسلل الموسيقى من الغابات ومياه الأنهار وأصوات الطيور فتأتي الرقصات أكثر انسياباً وارتباطاً بالإيقاع الطبيعي للحياة. كما تحمل الأغاني في النيل الأزرق مضامين روحية وإنسانية عميقة تتحدث عن الأرض والمطر والحب والانتماء.
ويمثل هذا الفن امتداداً للثقافات الإفريقية السودانية العريقة التي ظلت حاضرة في الوجدان الشعبي رغم محاولات التهميش الثقافي التي مارستها الدولة المركزية لعقود طويلة.
الكرن في جبال النوبة هو إيقاع يوصف بانه مقاوم للحياة. فان الكرن يتجاوز حدود الرقص والغناء ليصبح تعبيراً عن الوجود ذاتى. فشعوب النوبة عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تحول الفن إلى وسيلة للبقاء والحفاظ على الهوية في مواجهة العزلة والحروب والتهميش.
ويتميز الكرن بإيقاعه القوي وحركته الجماعية التي تحتفي بالجسد باعتباره رمزاً للحياة والقوة والانتماء. كما تعكس هذه الرقصات روح المجتمعات النوبية التي تؤمن بأن الفن ليس ترفاً بل ضرورة إنسانية لحماية الروح الجماعية من الانكسار.
وتحمل الأزياء والألوان والآلات الموسيقية في الكرن دلالات ثقافية عميقة مرتبطة بالبيئة الجبلية والتاريخ الاجتماعي للنوبة ومما يجعل هذا الفن واحداً من أغنى أشكال التعبير الشعبي في السودان.
ان الفن الشعبي السوداني ثروة وطنية مهملة
ورغم هذا الثراء الهائل ظل الفن الشعبي السوداني يعاني من الإهمال وضعف التوثيق وغياب المؤسسات الثقافية القادرة على حفظ هذا التراث وتطويره. فالكثير من هذه الفنون مهدد بالاندثار بسبب الحروب والنزوح والتغيرات الاجتماعية وهيمنة الثقافة الاستهلاكية الحديثة.
كما أن المركزية الثقافية في السودان أسهمت كثيرا في تهميش فنون الأقاليم رغم أنها تمثل الروح الحقيقية للشعوب السودانوية. ولهذا فإن إعادة الاعتبار للفنون الشعبية ليست قضية فنية فقط لكنها قضية هوية وطنية وعدالة ثقافية أيضاً.
إن السودان الذي يبحث اليوم عن مشروع وطني جامع لا يمكنه أن يبني مستقبله دون الاعتراف بهذا التنوع الإبداعي الهائل ودون تحويل الفنون الشعبية إلى جزء أساسي من مشروع بناء السلام والهوية المشتركة.
ومن هنا يبقى الفن الشعبي السوداني واحداً من أعظم المرايات التي تعكس روح هذا البلد الواسع والمتعدد والمتنوع.
فمن النقارة التي تهدر في سهول الغرب إلى الوزاء التي تنساب مع النيل الأزرق إلى الكرن الذي يعلو في جبال النوبة فتتحدث الإيقاعات كلها بلغة واحدة تقول إن السودان ليس بلداً فقيراً في الثقافة بل أمةٌ غنية بالخيال والجمال والذاكرة الإنسانية.
وفي زمن الحروب والانقسامات يصبح الفن الشعبي أكثر من مجرد تراث يصبح جسراً للمصالحة ووسيلة لاستعادة المعنى الإنساني المشترك بين السودانيين. فالأغنيات القديمة والرقصات الجماعية والطبول التي تجمع الناس حولها قادرة على أن تفعل ما عجزت عنه السياسية أحياناً وأن تذكر الناس بأنهم أبناء أرض واحدة وأن الجمال كان دائماً جزءاً أصيلاً من تكوينهم اليوم ومستقبلا.
إن حماية هذا التراث ليست مهمة الفنانين وحدهم لكنة مسؤولية وطن كامل لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها الفنية تفقد جزءاً من روحها وبينما الأمم التي تحفظ غناءها ورقصاتها الشعبية تحفظ تاريخها وكرامتها وحقها في المستقبل.




