مقالات

استراحة الجمعة : بين ترويض الذئب وترويض الدولةهل يصبح الذئب حارساً للنعاج؟

حكاية قديمة تروي كيف يمكن للعدالة أن تهزم العنف وما الذي يحتاجه السودان بعد حرب 15 أبريل 2023؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث

ليست كل الحكايات الشعبية للتسلية، فبعضها يختصر في صفحات قليلة ما تعجز عنه الكتب في تفسير طبيعة الإنسان والدولة والمجتمع.
تروي إحدى الحكايات أن مزارعا قصد السلطان على دينار، سلطان دارفور فى ذلك الوقت، يشكو أليه ذئباً افترس نعجته الوحيدة.
فقام السلطان باستدعاء الجهادية وهم جهاز الأمن و الشرطة والجهاز الحربي على مستوى السلطنة وأمرهم بالبحث عن الذئب بقوله : ابحثوا عنه في كل مكان و لا تأتوني إلا هو معكم وبشرط أن يكون حيآ .
فذهبوا مع المزارع إلى منزله ليقصوا اثره.
و كانوا يمتطون خيولا قوية و يحملون أسلحتهم من سيوف و حراب و سياط .
فلم يصلوا إلية الا بعد ظهر ذلك اليوم وحيث عثروا عليه نائما داخل شجر كثيف ملتف .
أحاطوا المكان جيدآ و تقدم أحدهم فجلده بالسوط فهب مذعورآ محاولآ الهرب فقوبل بالجلد من تلك الجهة فدار إلى جهة أخرى فقوبل بجلد أعنف، من كل الاتجاهات كان يقابله جلد أعنف إلى أن استسلم تمامآ فاقتادوه عنوة إلى السلطان على دينار مع تكرار الجلد المبرح في كل مرة . فكان أول ما سالهم عنه هو أن يؤكدوا له أنه هو الذئب الجاني نفسه و ليس آخر شبهه. ثم فأمرهم بجلده مرة أخرى و بشدة وقوة. وأمرهم القوات بإحضار قطيع من الضأن ووادخلوه وسط القطيع. وانتظر الناس أن يشرع الذئب في افتراس بعضها و لكنه لدهشتهم لم يفعل طبعا .
المغزى من هذه القصة أنه حتى هذا الحيوان الأعجم أدرك و تأكد جيدآ أن ما قام به في وقت سابق من أكل تلك النعجة هو ما تسبب له في كل هذا التعذيب و الإذلال .
هذه ليست حكاية عن ذئب ونعاج فحسب لكنها درس عن فلسفة الحكم الرشيد. فالذئب يرمز لكل قوة منفلتة اعتادت أخذ الحقوق بالقوة والنعاج تمثل المجتمع الآمن أما السلطان فيرمز إلى الدولة العادلة التي تفرض هيبتها بالقانون ثم تفتح باب الإصلاح.
فالذئب لم يتغير لأنه أصبح وديعاً وإنما لأنه أدرك أن هناك سلطة أقوى من غريزته وأن القانون أصبح أعلى من القوة. ومن هنا يأتي الدرس الأول: غياب الدولة يصنع الذئاب أما حضور الدولة العادلة فيصنع المواطنين الصالحين.
كما تعلمنا الحكاية أن العدالة ليست انتقاماً بل حماية للمجتمع ومنعاً لتكرار الجريمة. ولو أن السلطان قتل الذئب لانتهت القصة عند حدود العقوبة لكنه أراد أن يثبت أن الهدف من العقاب هو تقويم السلوك وصون المجتمع لا مجرد الانتقام.
وهذا المعنى يكتسب أهمية خاصة في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل 2023 التي خلفت آلاف الضحايا وملايين النازحين واللاجئين ودماراً واسعاً في المدن والقرى إلى جانب الجراح العميقة التي أصابت النسيج الاجتماعي.
واليوم يواجه السودانيون سؤالاً مصيرياً كيف يمكن أن يعيش أبناء الوطن الواحد معاً من جديد؟
الإجابة لا تكون بتجاهل الجرائم ولا بالانتقام الجماعي ولا بتحميل مجتمعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد وإنما ببناء دولة قانون تُحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفق محاكمات عادلة وتحمي الأبرياء وتؤسس لمصالحة تقوم على الحقيقة والإنصاف.
فلا سلام بلا عدالة ولا عدالة بلا قانون ولا قانون بلا دولة قوية ومحايدة.
لقد أثبتت تجارب الدول التي خرجت من الحروب الأهلية أن وقف إطلاق النار لا يكفي لبناء السلام وإنما يبدأ السلام الحقيقي عندما يشعر الجميع بأن حقوقهم مصانة وأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز.
ومن هنا يصبح السلطان في الحكاية رمزاً للدولة السودانية المنشودة، دولة لا تحكم بالغضب ولا تنتصر لفئة على أخرى بل تنتصر للقانون وحده. أما الذئب فهو كل من حمل السلاح خارج إطار القانون أو اعتدى على الأبرياء وبينما تمثل النعاج المدنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب.
كما تحمل الحكاية رسالة أخرى وهي أن الإنسان ليس أسيراً لماضيه إذا وُجد نظام عادل يعيد بناء السلوك على أساس القانون. غير أن المصالحة لا تعني النسيان لكن تبدأ بكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر ثم فتح صفحة جديدة تمنع انتقال الأحقاد إلى الأجيال القادمة.
لقد أفرزت الحرب خطاباً يقوم على الكراهية والتخوين والتعميم حتى أصبح الانتماء القبلي أو الجهوي سبباً لإطلاق الأحكام المسبقة. وهذه أخطر آثار الحروب لأنها تحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع دائم يهدد بقاء الوطن.
ولهذا فإن إعادة إعمار السودان لا تقتصر على بناء الجسور والمنازل بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الناس وترسيخ ثقافة المواطنة واحترام التنوع وتجريم خطاب الكراهية واستقلال القضاء وسيادة حكم القانون.
فالسودان بتنوعه الثقافي والإثني والجغرافي قادر على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة إذا قامت مؤسساته على العدالة والكفاءة لا على الولاءات والانقسامات.
ويبقى السؤال الأهم ليس من انتصر في الحرب وإنما كيف ينتصر السودان على الحرب نفسها؟
فالانتصار الحقيقي يقاس بعودة الأطفال إلى مدارسهم والمزارعين إلى حقولهم واللاجئين إلى ديارهم وبقدرة المواطنين على العيش في وطن يشعر فيه الجميع بالمساواة والأمان.
لقد علمتنا هذه الحكاية أن القوة وحدها لا تصنع السلام كما أن الرحمة وحدها لا تكفي وإنما يصنعه التوازن بين الحزم والعدل. فالدولة القوية ليست التي تكثر فيها السجون بل التي يقل فيها المجرمون لأن القانون حاضر والعدالة قائمة، والثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
وهكذا تتحول قصة الذئب والنعاج من حكاية شعبية إلى رؤية لبناء الأوطان وتبقى رسالتها خالدة لا يُبنى المستقبل بالانتقام وإنما بالعدالة ولا يحمي الوطن السلاح وحده بل تحميه دولة القانون التي تجعل التعايش ممكناً والسلام خياراً دائماً والوطن بيتاً يتسع لجميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى