بين القداسة والدولة : لماذا يعجز السودانيين عن كسر دائرة إعادة إنتاج السلطة؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
منذ الاستقلال عام 1956، تعاقبت على السودان حكومات مدنية وعسكرية ومرت البلاد بانقلابات وثورات وانتفاضات وحروب أهلية إلا أن سؤال الدولة ظل مطروحاً بإلحاح هو لماذا تتغير الحكومات بينما تبقى أنماط السلطة كما هي؟ ولماذا تبدو النخب السياسية والعسكرية على اختلاف شعاراتها وكأنها تعيد إنتاج البنية نفسها التي قادت إلى الأزمات المتلاحقة؟
الإجابة ليست بسيطة لكنها ترتبط بجذور تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة حيث تداخلت السياسة مع الانتماءات القبلية والطرق الدينية والشرعية الرمزية فأصبحت السلطة في كثير من الأحيان تستمد مشروعيتها من المكانة الاجتماعية أو الإرث التاريخي أكثر مما تستمدها من المؤسسات والقانون والكفاءة. ومن هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية إذا كان الهدف هو بناء دولة حديثة تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.
أزمة تتجاوز الأشخاص، من السهل تحميل مسؤولية ما وصل إليه السودان لهذا القائد أو ذاك أو لهذا الحزب أو تلك الجماعة لكن التجربة السودانية تشير إلى أن المشكلة أعمق من الأشخاص. فمن إسماعيل الأزهري مروراً بإبراهيم عبود وجعفر نميري والصادق المهدى وعمر البشير وصولاً إلى المرحلة الراهنة تبدلت الوجوه لكن آليات إنتاج السلطة بقيت متشابهة في كثير من جوانبها.
فالانقلابات العسكرية لم تُنهِ النفوذ التقليدي كما أن الحكومات المدنية لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على تجاوز الولاءات الأولية. وبين هذا وذاك بقيت القبيلة والطائفة والعلاقات الاجتماعية عناصر مؤثرة في تشكيل النفوذ السياسي والاقتصادي.
وهذا لا يعني أن جميع الفاعلين السياسيين كانوا سواءً في المسؤولية أو في الأداء وإنما يشير إلى أن البيئة السياسية نفسها ظلت تنتج أنماطاً متقاربة من الحكم، مهما اختلفت الشعارات.
الخطيئة التأسيسية، يرى عدد من الباحثين أن الدولة السودانية ورثت منذ نشأتها الحديثة اختلالات بنيوية تمثلت في ضعف المؤسسات المركزية وعدم التوازن في توزيع السلطة والثروة وهيمنة نخب محدودة على مفاصل الدولة.
وقد انعكس ذلك في شعور قطاعات واسعة من السودانيين خاصة في الأطراف بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي وهو ما ساهم في اندلاع نزاعات مسلحة استمرت لعقود.
ولذلك فإن أزمة السودان ليست مجرد صراع على السلطة وإنما أزمة في كيفية توزيع السلطة نفسها وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
بين الشرعية التقليدية والشرعية الدستورية، في المجتمعات الحديثة تُبنى الشرعية السياسية على الدستور والقانون وصناديق الاقتراع والمحاسبة. أما في المجتمعات التي لا تزال تخضع بقوة للروابط التقليدية فإن الشرعية قد تستند إلى الزعامة القبلية أو المكانة الدينية أو الإرث التاريخي أو النفوذ العسكري.
وفي السودان تداخلت هذه الأنماط جميعها فأصبحت السياسة مزيجاً من المؤسسات الرسمية والهياكل التقليدية الأمر الذي أعاق بناء دولة تقوم على المواطنة وحدها.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تغيير الأشخاص وإنما في الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات.
هل تكفي العلمانية السياسية؟، كثيراً ما يُطرح شعار فصل الدين عن الدولة باعتباره مدخلاً للإصلاح السياسي. غير أن التجربة السودانية تشير إلى أن المشكلة ليست قانونية فقط لكنها اجتماعية وثقافية أيضاً. فحتى مع وجود نصوص دستورية حديثة يمكن أن تستمر الولاءات القبلية والطائفية في توجيه السلوك السياسي والانتخابي إذا لم يصاحب الإصلاح القانوني تحول اجتماعي وثقافي أوسع.
ومن هنا يبرز الحديث عن ضرورة ترسيخ ثقافة المواطنة بحيث يصبح الانتماء للدولة والقانون مقدماً على أي انتماء آخر في المجال السياسي مع احترام حرية المعتقد والتنوع الديني والثقافي الذي يميز السودان.
إصلاح يبدأ من المجتمع، إن بناء دولة حديثة يتطلب إصلاحات متدرجة تشمل هى تعزيز استقلال مؤسسات الدولة وسيادة القانون. وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والكفاءة في شغل الوظائف العامة.
وتطوير نظام ضريبي وإداري يعزز العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات. وإصلاح المناهج التعليمية بما ينمي التفكير النقدي وقيم المواطنة والتنوع. والحد من تأثير الولاءات الضيقة في إدارة الشأن العام، مع احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
وهذه الإصلاحات لا تستهدف إلغاء القبيلة أو الطرق الصوفية أو الموروث الاجتماعي فهي مكونات أصيلة في المجتمع السودانية وإنما تهدف إلى منع تحولها إلى أدوات لاحتكار السلطة أو تقييد حق المواطنين في المنافسة المتكافئة.
الدولة التي يحتاجها السودان، لقد أثبتت التجارب أن استبدال نخبة بأخرى أو إحلال قيادة محل أخرى لا يكفي لإنهاء الأزمات إذا بقيت القواعد التي تنتج السلطة على حالها.
فالدولة الحديثة لا تقوم على العصبية أو الامتيازات الموروثة وإنما على عقد اجتماعي يساوي بين المواطنين أمام القانون ويجعل تداول السلطة أمراً طبيعياً ويخضع الجميع للمساءلة دون استثناء.
كما أن السلام الدائم لا يتحقق إلا عندما يشعر كل مواطن في دارفور أو كردفان أو الشرق أو الشمال أو الوسط أو الجنوب السابق بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه دون تمييز.
لا يمكن للسودان أن يطوي صفحة أزماته المتكررة بمجرد تغيير الحكام أو تبديل موازين القوة فالمطلوب هو مراجعة نقدية للبنية السياسية والاجتماعية التي أعادت إنتاج الصراع لعقود طويلة.
إن بناء دولة المواطنة لا يعني القطيعة مع الدين أو التراث أو المكونات الثقافية بل يعني أن تكون هذه العناصر مصدر إثراء للمجتمع لا أساساً للتمييز في الحقوق السياسية. وعندما تصبح الكفاءة وسيادة القانون والمساءلة هي المعايير الحاكمة لإدارة الدولة يكون السودان قد وضع أولى خطواته الحقيقية نحو الاستقرار والتنمية.
فالرهان اليوم ليس على من يجلس على كرسي الحكم بل على الكيفية التي يُدار بها هذا الكرسي وعلى قدرة السودانيين جميعاً على بناء دولة تتسع للجميع وتُدار بالمؤسسات وتحميها المواطنة ويحتكم فيها الجميع إلى القانون لا إلى الامتيازات الموروثة أو الولاءات الضيقة.



