“فلاشا” : قصيدة الدكتور تاج السر الحسن..قراءةُ السَّرد الشّاعر والواقعية الخَشِنة

“فلاشا”:قصيدة الدكتور تاج السر الحسن..
قراءةُ السَّرد الشّاعر والواقعية الخَشِنة
هذا الفلاشيّ جاء
يسخر من شعبي
يرمقني من عل
في قمة “الهيلتون”
يبصق في النيل يضحك من جبني
في شرفة الفندق كان فلاشيان قد ثرثرا، حدقا، في المقرن المزدان
ورقصا.. عربدا
ونثرا الأشجان
-(قبلني، ضمني)
ياليت هذه الرؤى
“عادت بإسرائيل”
(هذا سنا الخرطوم
فهل نرى (دجلة؟ ) فتزدهي الأحلام ونملأ السلّة؟
من رطب الوديان
والكرم والغلة
في درس شعر تاج السر الحسن نشرت لي “أخبار الأدب” المصرية الصادرة بعد أسبوع من وفاة الشاعر تاج السر الحسن؛ في الثالث عشر من مايو 2013م،خلصنا إلى مذهب الواقعية الخشنة والناعمة في آنٍ معا تتبدّى شخوصا وأمكنة وصوراً من الهزائم يهتزّ لها قلب الشاعر المفعم بِحُبّ الوطن السودان، وحب الوطن العربي الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج.
وفي هذه القصيدة “فلاشا” تتراءى خيبات السياسة في صورة يهود الحبشة يعبرون السودان أيام الرئيس المخلوع جعفر نميري (25مايو1969-6 أبريل1985م) ..
والهيلتون ذلك الفندق الشامخ قُرب النيل فُتحت شُرفاتُه الآثمة على أثباج أمواجه الثائرة، وعلى لمعة مائه الطاهر الدافق نحو ملتقى النيلين ليسافر إلى مصبّه في البحر الأبيض المتوسط بأرض مصر..
وشتّان مابين سفر النيل وسفر الفلاشا وهم يبصقون في الماء شريان الحياة صلفاً بادياً، بل ظُلما وعُلُوا..
ألاترى هذه الواقعية الخشنة ههنا في هذه الصورة الماثلة؟ صورة يهوديّين اثنين مع رمزية كونهما حبشيّين، يبصقان في النيل؟
ألا ترى اتفاقية مياه النيل هنا في كل أطوارها إلى آخر سنة في عقد الخمسينيّات بين دُول الحوض أثيوبيا فالسودان فمصر
الحاكم الجائر
يختال في الميدان
وحوله الجُند
والسيف والصولجان
بقطعة من نقود
باع ثرى الأوطان
أهدى الفلاشا المكان
أهدى الفلاشا الزمان بينا أنا ملقى
في القيد أشكو الهوان والفقر والأحزان
رسم التلفاز (شاشا)
حوله جمع الفلاشا
بينما في قلبه شيء
من الوسواس جاشا
إن مايدعى فلسطين بقلبي يتلاشى
فالفلاشيات قد أحدثن في قلبي ارتعاشا
والفلاشيون أهلي
مرحبا قومي الفلاشا
تلك الفلاشية
زهرة فسقية
وخصرها ضيق
خاتم جنيّة
وشعرها أسود
ليل وأغنية
تموّجت حولها
عواطفي الحيّة
سمراء لكنها حقاً يهوديّة
قيل لها إنها سوف ترى (يافا)
وكرمها الزاهي
لوناً وأصنافا
وترتمي في الظلال
بين شذى البرتقال
فهي هنا في المطار
أرّقها الانتظار
وترى في أسلوبية تاج السر الحسن نوع تهكُّّم، وكيف لا يتهكّم واللغة الشاعرة لامست أرض الخرطوم تميس بقدودهن المخصّرة يهوديّات يمقتهنّ لدرجة أن يقول :
مرحبا أهلي الفلاشا!!
ويشبه هذا ماقرّره المتنبي للحرّ حين تضطرّه أحداث الزمان إلى صداقة إنسان يبغضه:
ومِن نَكَدِ الدُّنيا على الحُرِّ أن يرى// عَدُوّاً له مامِن صداقَتِهِ بُدُّ
وكيف لا تجنح أسلوبيّته إلى التهكّم والقصيدة تساير الأحداث تجري بسرعة موج النيل لتصف اعناب (يافا) الزاهي.. إنها مخاتلةالحرب وخداعها الذي يغرّر بالمأجورين في حرب السودان الآن، يأتون بهم من تشاد أو من النيجر ليلقوا بهم في ضواحي الخرطوم يقولون لهم هذه صنعاء، وماهي إلا ضاحية شمالي الخرطوم كما تقول حكايات المواطنين أثناء هذه الحرب المنكودة..
صورة لايمكن أن يصوّرها بهذا (التقرير الميداني) إلا تاج السر الحسن في واقعيته المسرودة شعرا،أو الشاعرة سردا، سِيّان في مذهب الواقعية عند تاج السر الحسن وبخاصّة في قصيدته “الفلاشا” وقد كتبتها لك كاملة لم ننقص منها كلمة، وقد نشرتها مجلّة “الدوحة” في مثل هذا الشهر يوليو سنة1985م، وقد كتبها الشاعر حيّةً تقطر دماً في ذات العدد الذي وافق اقتلاع النميري بعد حُكم دام ست عشرة سنة.
جاعَ كلّ الناس
لم يَبق أحد
ظمأ(التيجرا)
(وبنو عامر) والأمهره
والهدندوه
والصوماليون
وأهل جيبوتي
كل القرن الأفريقي
اشتعلت فيه نار الجوع
مات الطفل الشاحب
ماتت الأم
ومات الأب
والقرية لم يبق بها أحد
غير جذوع الشجر الميّت
وهياكل قطعان ملقاه
غير أنّ الفلاشا وحدهم لم يجوعوا
وحدهم أُكرِموا
إن هذا مريع
لهم الحافلات
المكان الوسيع
الفنادق مشعله
والموائد مشرعه
والربيع
من صفحة “التلفاز “
نشهد هذا البث
حيث السفير الوزير
باسم الحاكم الكبير
من خان هذا الوطن
باع ونال الثمن
وتلك واشنطون
في شرفة “الهيلتون”
حيث بنو صهيون يَجمعون النقود
مما يجود اليهود
ويخنقون البشر ويقتلون الوجود
في قلب “يافا” وفي “صيدا” وأرض الحدود
من جاء بالطائرات؟
بالحافلات؟
إنهم المجرمون
السادة الظالمون
من قيّدوا شعبنا
في ظلمات السجون
لاتتركوهم هنا
في أرضنا يمرحون
هكذا يقرّر تاج السر الحسن في قصيدته الحكاية ويصوّر نفسية المواطن العادي المحطم باستفزازات السياسة من كيد يهود يعلّمون الناس سحرهم وكيدهم في منبع النيل أثيوبيا التي باعت صداقتها مع السودان ومِن قبلها دويلات ماكرات حاقدات من خليج العرب.
أبوذر أحمد محمّد
عمود الذي أراه
Thu23. 7.2026م




