الجميل الفاضل يكتب:حُرّاسُ بيتِ العنكبوت في مصيدة الأفول؟!

للتاريخ صبرٌ عجيب؛ إنه لا يعاجل الطغيان بالعقاب، ولا يفضح أقنعته في صدر المواسم، إنما يتركها تكبر حتى تَظنَّ أنها خُلقت من فولاذ “نافع”، ثم ينفخ فيها نفخةً واحدة، فإذا هي تتهاوى كبيتٍ نسجته عنكبوتٌ على حافة الريح.
فما نشهده اليوم داخل هذه الجماعة المحاصرة، ليس مجرد خلافٍ بين رفاق الأمس، ولا نزاعاً على مواطئ أقدامٍ في خرائط السلطة، إنما هو الفصل الأخير من مأساةٍ كُتبت نهايتها منذ اللحظة التي استُبدلت فيها الفكرةُ بالغنيمة، والرسالةُ بالغلبة، والشورى بغرف الأسرار، والوطنُ بالتنظيم.
فمن يزرع الخوف، يحصد الوحشة لا محالة.
ومن يجعل الشكَّ قانوناً، لا ينجو منه حين يدور عليه.
ولذلك بدا المشهد، منذ سنواته الأولى، وكأنَّ بيت العنكبوت قد بدأ يلتهم نفسه.
فالبيت الذي وصفه القرآن بأنه أوهن البيوت، ليس واهناً لأن خيوطه رقيقة، لكن لأن الرحمة غادرت جدرانه، وحلَّت مكانها غريزة الافتراس.
هناك، تأكل أنثى العنكبوت زوجها باكتمال التلقيح، ثم تلتهم بعض صغارها بعد الفقس، ثم ينهض الصغار أنفسهم ليأكل بعضهم بعضاً متى قويت أعوادهم.
وكأنَّ الحياة في مثل هذا البيت العجيب لا تستمر إلا بمزيدٍ من التربص والقنص.
وكأنَّ البقاء فيه لا يتحقق إلا بابتلاع الأقرب دائماً.
أليست تلك هي المأساة حين تتحول جماعات كهذه، إلى كائناتٍ تأكل ذاكرتها، ثم تأكل أبناءها، ثم تأكل رموزها وأسماءها؟
من هنا لم يكن غريباً أن يبدأ الافتراس من قمة الهرم.
فالعقل الذي شيَّد البناء، انتهى أسيراً داخل جدرانه.
والمعلِّم الذي ربَّى التلاميذ، قادوه هم أنفسهم إلى المحبس، قبل أن يسلِّموه في النهاية إلى القبر.
ثم راحت الأسماء الكبيرة تتساقط، واحداً إثر آخر، كنجومٍ انطفأت في سماء هذا التنظيم، حتى بدا المشهد كله وكأنَّ البيت لا يثبت أركانه إلا إذا قدَّم قرباناً جديداً من أهله في كل مرحلة.
لكن ما يجري اليوم أشدُّ قسوةً من كل ما مضى.
فإن ما يحدث هذه المرة ليس صراعاً على الحكم، لكنه صراعٌ على النجاة من الحطام؛ فقد ضاق الممرُّ، واقترب الجدار، لتضيق الدائرة إلى حدٍّ لم يعد فيه أحدٌ قادراً على الفرار من ظلِّها.
عموماً، في مثل هذه اللحظات، يكشف الخوف وجوهه كلها، فتتحول الرفقة إلى ريبة، والولاء إلى تهمة، والأصدقاء إلى ملفات.
وتصبح الشائعة رصاصةً من أرخص أنواع الرصاص، ويمسي إعلان المرض، أو الغياب، أو الموت السياسي، وسيلةً لإفساح الطريق أمام وريثٍ جديد، قبل أن يلتهمه هو الآخر الدوران الأبدي لبيت العنكبوت.
أما المفارقة التي تكاد تبلغ حدَّ السخرية السوداء، فهي أن الشعارات التي كانت تهدر في الميادين، أصبحت تبحث اليوم عن مأوى في دهاليز العواصم، والقبضات التي ارتفعت يوماً بوجه العالم، امتدَّت الآن تستجدي نافذةً للعفو.
والأبواب التي وُصفت بالأمس بأنها أبواب الشيطان، غدت اليوم آخر أبواب النجاة.
هكذا، لا تنتقم المبادئ ممن خانوها بالصراخ.
لكنها تتركهم يطرقون الأبواب نفسها التي كانوا يلعنونها.
وفي الأثناء، بدأ بعض الصغار يغادرون قاعات مثل هذا الدرس القاسي.
كلٌّ يحمل خيطه المقطوع، ليبحث عن غصنٍ آخر يعلِّق عليه اسمه قبل أن يسقط على رأسه السقف.
لكنهم ربما لا يدركون أن بيت العنكبوت لا يسمح لأحدٍ أن يغادر سالماً.
إذ إنَّ الخيط الذي نسجته بيدك، يظلُّ دائماً معقوداً في معصمك، حتى وإن ظننت أنك أفلتَّ منه.
وهكذا تمضي الأقدار في صمتٍ؛ لا تشمت، ولا تثأر، ولا تغضب.
إنها فقط تعيد ترتيب الموازين، حتى يقف كلُّ حجرٍ في مكانه الذي اختاره سلفاً لنفسه.
ولذلك فإن هذه ليست قصة تنظيمٍ سياسيٍّ على وشك الزوال.
إنها قصة كلِّ بناءٍ ظنَّ أن المكر يستطيع أن يهزم الحقيقة.
وقصة كلِّ سلطةٍ اعتقدت أن القوة تستطيع أن تؤجِّل السقوط.
وقصة كلِّ بيتٍ نُسج بخيوط المصالح الواهية، ثم صدَّق أنه صار حصناً حصيناً.
غير أن الريح تعرف بطبعها حقائق مثل هذه الأمور أكثر من البنَّائين أنفسهم.
ولذلك حين تهبُّ، لا تسأل عن أسماء الحراس، ولا عن ألقاب الساكنين.
إنما تمرُّ هي فقط.. لتترك بيت عنكبوت كهذا معلَّقاً بين السماء والأرض، شاهداً أبدياً على أن الفخَّ الذي يُنصب للآخرين، كثيراً ما يكون هو أول ما يلتهم أصابع من صنعوه.




