مقالات

جبل العقيدات (٢-٢) : النهضة التعدينية السودانية من ثروة كامنة إلى مشروع وطني لبناء المستقبل

جبل العقيدات (٢-٢)
النهضة التعدينية السودانية من ثروةٍ كامنة إلى مشروعٍ وطني لبناء المستقبل واقتصاد المعرفة المعدنية وبدل تصدير الخام إلى تصدير الخبرة والتكنولوجيا والقيمة المضافة.

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

إذا كان جبل العقيدات قد كشف جانبًا من التحديات التي تواجه المعدّن السوداني فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نستخلصها من هذه التجربة هي أن السودان لم يعد بحاجة إلى إدارة قطاع التعدين بعقلية تقليدية وإنما بحاجة إلى مشروع نهضة تعدينية وطنية يجعل من الثروة المعدنية ركيزة لإعادة بناء الاقتصاد ويحوّل الخبرة السودانية المتراكمة إلى قوة إنتاج ومعرفة تنافس بها البلاد في الأسواق الإقليمية والعالمية.


فالنهضة التعدينية ليست مجرد زيادة في إنتاج الذهب أو منح المزيد من امتيازات التعدين وإنما هي مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والدولة. وهي تقوم على رؤية تعتبر أن المعدّن والجيولوجي والمهندس والباحث والمستثمر والمجتمع المحلي جميعهم شركاء في صناعة مستقبل السودان.
ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقع لا بد أن ترتكز على عدد من المحاور الإستراتيجية.


تبدء أولًا بناء الدولة الجيولوجية وهنا ينبغي إطلاق أكبر مشروع وطني للمسح الجيولوجي في تاريخ السودان باستخدام أحدث التقنيات في الاستشعار عن بُعد والمسح الجيوفيزيائي والجيوكيميائي والذكاء الاصطناعي وإنشاء قاعدة بيانات رقمية وطنية تشمل جميع الموارد المعدنية بحيث تصبح المعلومات الدقيقة أساسًا لكل قرار استثماري.


ثانيًا الاستثمار في الإنسان. إن أعظم مورد يملكه السودان ليس الذهب وإنما الإنسان الذي يعرف كيف يعثر عليه. ولهذا يجب إنشاء الأكاديمية السودانية للتعدين وعلوم الأرض لتأهيل المعدنين وتطوير المهندسين والجيولوجيين وتوثيق الخبرات الميدانية وتحويلها إلى مناهج علمية وشهادات مهنية معترف بها. وكما ينبغي إنشاء مراكز تدريب متخصصة في ولايات التعدين حتى تصبح هذه المناطق حواضن للمعرفة لا مجرد مواقع لاستخراج الخام.


ثالثًا التحول من التعدين التقليدي إلى التعدين الذكي
يشهد العالم ثورة تقنية في قطاع التعدين وتعتمد على البيانات الضخمة والطائرات المسيّرة والروبوتات وتقنيات الانمذجة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي. ولا يمكن للسودان أن ينافس في المستقبل إذا ظل يعتمد على الأساليب التقليدية وحدها. فإن التحول الرقمي في قطاع التعدين سيؤدي إلى رفع كفاءة الاستكشاف وتقليل المخاطر وخفض التكاليف وتحسين إدارة الموارد وتعزيز الشفافية والحد من التهريب.


رابعًا تعظيم القيمة المضافة. إن تصدير الخام يعني تصدير جزء كبير من العائد الاقتصادي إلى الخارج. ولذلك ينبغي أن تتجه الدولة إلى إنشاء صناعات تحويلية مرتبطة بالمعادن تشمل المصافي الحديثة وصناعة السبائك والمنتجات المعدنية ومكونات الصناعات الإلكترونية كل ما كان ذلك ممكنًا اقتصاديًا.


فالهدف ليس بيع الذهب فقط لكنه بناء اقتصاد صناعي يعتمد على المعادن ويخلق فرص عمل ويزيد الصادرات.
خامسًا المعادن الإستراتيجية بوابة السودان إلى الاقتصاد العالمي الجديد. لقد تغيرت خريطة الاقتصاد العالمي وأصبحت المعادن التي تدخل في صناعة البطاريات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي تمثل عنصرًا حاسمًا في المنافسة الدولية. ويمتلك السودان مؤشرات واعدة لعدد من هذه المعادن وهو ما يتطلب توجيه الاستثمارات نحو الاستكشاف العلمي وتشجيع الشراكات التي تنقل التكنولوجيا وتبني القدرات الوطنية بما يضمن تحقيق أعلى منفعة للاقتصاد السوداني.


سادسًا العدالة في توزيع عائدات التعدين. لا يمكن أن تستمر التنمية إذا بقيت المجتمعات المنتجة للمعادن محرومة من ثمارها. ولذلك ينبغي تخصيص نسبة عادلة من عائدات التعدين لتنمية الولايات والمجتمعات المحلية عبر إنشاء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء ودعم التعليم والتدريب. إن نجاح التعدين يقاس أيضًا بقدرته على تحسين حياة المواطنين وليس فقط بحجم الإنتاج أو الإيرادات.


سابعًا حماية المعدّن السوداني. لقد أثبتت الأحداث أن حماية العاملين في قطاع التعدين يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من الأمن الاقتصادي للدولة. ويتطلب ذلك تطوير أنظمة السلامة المهنية والتأمين الصحي وصناديق التعويض وتعزيز الحماية القنصلية للعاملين خارج البلاد وتوفير آليات قانونية تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم.

فلتكن رؤية السودان 2040 تعتمد على مركز إفريقي للتعدين. إذا توافرت الإرادة السياسية واستقر التشريع وأُحسن استثمار الخبرات الوطنية فإن السودان قادر خلال العقدين المقبلين على التحول إلى مركز إقليمي وإفريقي في مجالات التعدين والاستشارات الجيولوجية والخدمات الهندسية والتدريب الفني.
وليس مستبعدًا أن تصبح الشركات السودانية شريكًا في مشروعات التعدين داخل إفريقيا وأن تتحول الخبرة السودانية إلى منتج اقتصادي قائم بذاته تمامًا كما تصدر دول أخرى خبراتها في النفط والطاقة والهندسة.
إن السودان يمتلك كل المقومات اللازمة لهذه النهضة أرضًا غنية وخبرات بشرية متراكمة وموقعًا جغرافيًا متميزًا وتاريخًا طويلًا في التعدين. وما ينقصه هو الرؤية والإدارة الرشيدة والاستثمار في الإنسان.
لقد آن الأوان لأن ينتقل السودان من مرحلة البحث عن الذهب إلى مرحلة صناعة المستقبل بالذهب ومن مرحلة التعدين التقليدي إلى اقتصاد المعرفة المعدنية ومن تصدير الخام إلى تصدير الخبرة والتكنولوجيا والقيمة المضافة.
وعندما يتحقق ذلك لن يكون جبل العقيدات مجرد ذكرى لحادثة حدودية مؤلمة لكنه سيصبح رمزًا لمرحلة أدرك فيها السودان أن أعظم ثرواته ليست ما يختبئ في باطن الأرض بل الإنسان الذي يملك العلم والخبرة والإرادة لاستخراجها وتسخيرها لبناء وطن مزدهر وآمن ومستقر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى