العمى الأخلاقي في الحرب السودانية : كيف صار الانتماء أهم من الإنسان؟

العمى الأخلاقي في الحرب السودانية: كيف صار الانتماء أهم من الإنسان؟
كتب : النور ادم سلمان
في قلب المأساة السودانية المتصاعدة، لم يعد الانقسام مقتصراً على خطوط النار أو التنافس على المدن والموارد، بل امتد ليخترق الوعي الجمعي ويشكّل طريقة تفكير الناس واستجابتهم للأحداث. الحرب لم تُقسّم البلاد فقط، بل جزّأت الوجدان السوداني إلى معسكرين متقابلين، لكلٍ منهما روايته الخاصة عن الحقيقة، ولكلٍ منهما ضحاياه الذين يعترف بهم، وضحايا الآخرين الذين يتجاهلهم أو يبرر قتلهم.
تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في المواقف الشعبية تجاه صور بعينها؛ فالمشهد ذاته يمكن أن يتحول إلى جريمة حرب صريحة إذا كان الفاعل هو “الخصم”، ويمكن أن يصبح “عملاً بطولياً” أو “شغلاً نظيفاً” إذا كان المنفّذ هو الطرف الذي نؤيده. عندها، تتبدّد المعايير الأخلاقية، ويُعاد تشكيل الوعي وفقاً لخريطة الولاء والانتماء لا وفقاً لميزان الحق والباطل.
هذه الحالة ليست عفوية، ولا هي مجرد ردّ فعل عاطفي، بل تدخل ضمن ما يسميه علم النفس بـ العمى الأخلاقي الانتقائي: قدرة الإنسان على رؤية الجريمة بوضوح حين يرتكبها الآخرون، وعجزه عن رؤيتها – أو اختلاقه لمبررات تقنعه بأنها ليست جريمة – حين تصدر من الطرف الذي يدافع عنه. إنها ظاهرة تغذّيها عوامل متعددة: الخوف، الهوية الجمعية، الدعاية العسكرية، وضجيج المعلومات المتعارضة الذي يملأ الفضاء السوداني منذ اندلاع الحرب.
وبينما يمضي كل طرف في شيطنة خصمه، تتكفل المنصات الإعلامية – الرسمية والموازية – بتضخيم هذا الانقسام، عبر إعادة إنتاج سرديات تُقدّم طرفاً بوصفه “المنقذ” وتُجرّد الطرف الآخر من إنسانيته بالكامل. فصندوق الذرة يُصبح “تمويهاً لسلاح”، والشاحنة المدنية تتحول إلى “إمداد للعدو”، والضحايا يُعاد تصنيفهم وفقاً لموقعهم وليس لحياتهم الإنسانية.
أما النتيجة فهي أشد قسوة من ركام الأبنية ومن خطوط التماس:
إنها خسارة القدرة على التعاطف غير المشروط.
خسارة البوصلة الأخلاقية التي كانت تُميّز السودانيين.
وخسارة القيمة العليا التي تصون المجتمعات من الانزلاق إلى مستنقع الكراهية المفتوحة.
تاريخياً، لم تنتصر أي أمة في حرب أهلية خرج فيها الناس يتبادلون الاتهامات بدل الاعتراف بالحقائق، ويستدعون الأحقاد بدل التفكير في المستقبل. فالحرب التي تُخضع الأخلاق للانتماء لا تنتج إلا أجيالاً مشوهة من الوعي، تتصالح مع العنف حين يخدم قضيتها، وتستنكره حين يصدر من غيرها.
إن إعادة ترميم السودان لن تبدأ بتحرير مدينة أو السيطرة على موقع عسكري؛ بل تبدأ باستعادة القدرة على رؤية الإنسان داخل الطرف الآخر، وبكسر احتكار السرديات الذي صادر حق الناس في التفكير المستقل.
وما لم يحدث ذلك، سيبقى السودانيون يتجادلون حول من المذنب ومن الضحية، بينما البلد كلّه ينزلق إلى هاوية أعمق.
الحرب ستنتهي يوماً ما، لكن آثار العمى الأخلاقي قد تبقى لعقود إذا لم يعترف السودانيون بأن أكبر خسارة ليست في الأرض أو السلطة، بل في الإنسان الذي غاب عن الوعي قبل أن يغيب عن الحياة.



