عبدالله موسي يكتب : قراءات في امثال سودانية قديمة على ضوء الواقع السودانى اليوم،،،

يغيب التمساح ويقدل الورل … والجمل ما بعرفى عوجة رقبتو،،،
قراءات في امثال سودانية قديمة على ضوء الواقع السودانى اليوم،،،
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
ليست الأمثال الشعبية مجرد عبارات قصيرة تتناقلها الأجيال للتندر أو الاستشهاد، بل هي خلاصة تجارب طويلة وذاكرة اجتماعية تختزن في كلمات قليلة ما قد تعجز عنه الكتب المطولة.
والمثل السوداني: البلد الما فيها تمساح يقدل فيها الورل واحد من تلك الأمثال التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها فلسفة عميقة عن القوة والضعف والقيادة والفراغ وهيبة الدولة واختلال موازين المجتمع.
وقد ورد المثل بصيغ متعددة منها: بلد ما فيها التمساح يقدل فيها الورل، ومعناه الشعبي أن الورل، رغم أنه أقل قوة وهيبة من التمساح، يجد الفرصة سانحة لاستعراض نفسه عندما يغيب الأقوى. ولذلك صار المثل يُضرب فيمن يتقدم إلى موقع أكبر من قدراته عندما يغيب أصحاب الكفاءة والقوة والمسؤولية. لكن السودان اليوم يمنح هذا المثل معنى يتجاوز الحكاية الشعبية. فالسؤال لم يعد فقط أين التمساح؟ ومن هو الورل؟ وإنما أصبح السؤال الأعمق ماذا يحدث لو اختفى معيار القوة الحقيقي وغابت الدولة وتراجعت المؤسسات وانقسم المجتمع وأصبح كل طرف يرى نفسه أحق بالمكان والقرار؟
عندما يصبح الفراغ السياسي سلطة، في المجتمعات المستقرة، لا تُقاس قوة الدولة بصوت السلاح وحده وإنما بقدرتها على فرض القانون وحماية المواطن وإدارة الاختلاف وتوفير الخدمات وتحقيق العدالة ومنع الأقوى من افتراس الأضعف.
أما عندما تضعف الدولة، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلاً؛ سرعان ما تأتي قوى أخرى لملئه.
وهنا تحديدًا يصبح المثل السوداني شديد الدلالة. فالورل لا يصبح تمساحًا لأنه قوي وإنما لأنه وجد الماء خاليًا من التمساح.
وهذه هي المفارقة الكبرى فأحيانًا لا تكون المشكلة في قوة الذين يتقدمون إلى الواجهة وإنما في ضعف البيئة التي سمحت لهم بالتقدم.
وقد عرفت التجربة السياسية السودانية قبل الحرب وبعدها صورًا متعددة من هذا الفراغ، ضعف المؤسسات هشاشة الانتقال السياسي الصراع على السلطة، انقسام القوى المدنية وتغليب المصالح الحزبية والشخصية على بناء مشروع وطني جامع.
ثم جاءت الحرب لتكشف عمق الأزمة بصورة أكثر قسوة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الصراع تحول إلى أزمة إنسانية هائلة، مع استمرار النزوح واللجوء وتدمير الخدمات الأساسية وتصاعد الانتهاكات، بينما وصف مجلس الأمن الوضع بأنه من أشد الأزمات الإنسانية خطورة في العالم.
والورل ليس دائمًا شخصًا، الخطأ الذي قد نقع فيه عند قراءة المثل هو أن نبحث عن الورل في شخص واحد أو جماعة واحدة.
فالورل، في القراءة السياسية والاجتماعية قد يكون ظاهرة أكثر من كونه فردًا. قد يكون مسؤولًا صغيرًا يكتسب سلطة أكبر من قدرته. وقد يكون سياسيًا محدود الرؤية يجد نفسه في موقع صناعة القرار بسبب ضعف الآخرين. وقد يكون مثقفًا يرفع صوته فوق أصوات أكثر علمًا منه.
وقد تكون جماعة اجتماعية تستغل لحظة الفوضى لتفرض رؤيتها على الآخرين. وقد يكون حزبًا صغيرًا يعتقد أن انقسام خصومه يمنحه حق قيادة البلاد. وقد يكون السلاح نفسه عندما يصبح هو الوسيلة الوحيدة لحسم الخلاف السياسي.
ومن هنا فإن الورل ليس بالضرورة شريرًا بطبيعته، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول غياب المنافسة المؤسسية وضعف القانون وتفكك المجتمع إلى فرصة للصعود. ففي الدولة الطبيعية، لا يحتاج المجتمع إلى تمساح لكي يمنع الورل، تكفي المؤسسات. التمساح أيضًا ليس هو السلاح وهنا نصل إلى نقطة أكثر أهمية. ليس المطلوب أن نعيد إنتاج التمساح حتى نمنع الورل. إذا فهمنا التمساح باعتباره رمزًا للقوة، فإن السودان لا يحتاج إلى قوة عمياء جديدة وإنما يحتاج إلى قوة الدولة. والفرق كبير بين الأمرين. قوة الدولة هي القانون. قوة الدولة هي المؤسسة. قوة الدولة هي القضاء المستقل. قوة الدولة هي الجيش المهني. قوة الدولة هي الشرطة التي تحمي المواطن ولا تخيفه. قوة الدولة هي الإدارة التي تعمل حتى عندما يتغير الحاكم. قوة الدولة هي المدرسة والمستشفى والطريق والماء والكهرباء. قوة الدولة هي أن يعرف المواطن أن حقه لا يتوقف على اسم القبيلة أو الحزب أو القائد أو المنطقة.
لذلك فإن استعادة التمساح بمعناه الصحيح لا تعني استعادة حكم الفرد أو عسكرة المجتمع وإنما تعني إعادة بناء دولة قوية بالمؤسسات، لا بالأشخاص.
من غياب التمساح إلى غياب الدولة، إذا أردنا إسقاط المثل على السودان اليوم، فإن أكثر ما يلفت النظر ليس غياب شخص قوي وإنما غياب المؤسسة القادرة على ضبط العلاقة بين القوة والحق.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، لقد كشفت أزمة أعمق في بناء الدولة والعلاقة بين العسكري والمدني، وأدت إلى تفاقم الانقسام السياسي والاجتماعي والإنساني. كما حذرت تقارير دولية من مخاطر التفتت السياسي والاجتماعي واستمرار الحرب.
وهنا تصبح عبارة البلد الما فيها تمساح يقدل فيها الورل أقرب إلى تشخيص لمرض سياسي مزمن هو عندما لا تكون هناك دولة قوية، يصبح الأقوى في كل مساحة هو صاحب الكلمة. وفي غياب الدولة، قد تظهر عشرات التماسيح الصغيرة بدل تمساح واحد كل منطقة لها قوتها وكل جماعة لها سلاحها وكل مركز سياسي له مشروعه وكل طرف يرى أنه قادر على حماية نفسه بنفسه.
وهكذا يتحول السودان من دولة واحدة إلى مساحات متعددة من النفوذ. وهذا أخطر من مجرد قدلة الورل، لأنه قد يقود إلى تفكك فكرة الوطن نفسها.
أما الجمل فلا يرى عوج رقبته، وهنا يأتي المثل الآخر الذي أشار إليه السؤال الجمل ما بعرف عوج رقبتو. وهذا المثل يضيف طبقة فلسفية شديدة الأهمية إلى المثل الأول. فالإنسان قد يرى عيوب الآخرين بوضوح، لكنه يعجز عن رؤية عيوبه. والحزب قد يتحدث عن الديمقراطية وهو لا يمارسها داخل صفوفه. والجماعة السياسية قد تطالب بالعدالة وهي لا تقبل النقد. والسلطة قد تتحدث عن القانون بينما تتعامل مع القانون باعتباره أداة ضد الخصوم. والقوى المدنية قد تشتكي من إقصائها، ثم تمارس الإقصاء ضد بعضها البعض. والنخب قد تتحدث عن الوطن، بينما تنشغل بصراعاتها على المواقع.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي هو هل المشكلة في غياب التمساح فقط أم أن الجمل نفسه لا يرى عوج رقبته؟
لقد اعتاد السودانيون، مثل كثير من الشعوب، أن يبحثوا عن المسؤول عن الأزمة خارج ذواتهم. الحكومة مسؤولة والجيش مسؤول والدعم السريع مسؤول والأحزاب مسؤولة والإقليم مسؤول والمجتمع الدولي مسؤول. وكل ذلك قد يحتوي على جزء من الحقيقة.
لكن لا يمكن بناء وطن إذا ظل كل طرف يرى خطأ الآخرين ولا يرى خطأه.
السودان لا يحتاج إلى ورل جديد ولا إلى تمساح جديد. وهذه هي الخلاصة الأهم.
السودان لا يحتاج إلى ورل جديد ليحل محل ورل قديم. ولا يحتاج إلى تمساح جديد ليحكمه باسم القوة. السودان يحتاج إلى دولة. دولة لا تتغير بتغير الأشخاص.
ودولة لا تكون ملكًا لحزب. ودولة لا تكون غنيمة بعد الحرب. ودولة لا تكون فيها المؤسسة العسكرية بديلًا عن السياسة، ولا تكون فيها السياسة غطاءً للفوضى المسلحة. ودولة يكون فيها السلاح خاضعًا للقانون والسياسة خاضعة لإرادة الشعب والموارد خاضعة للرقابة والسلطة خاضعة للمحاسبة. وهذا هو المعنى الحديث للقوة.
فالدولة القوية ليست التي يخاف منها المواطن وإنما التي يشعر المواطن بالأمان في ظلها.
واخطر ما في المثل أن يتحول إلى ثقافة
المشكلة الحقيقية ليست أن الورل يقدل.
المشكلة أن الناس قد تعتاد على رؤيته وهو يقدل. عندما تصبح الفوضى عادية يصبح النظام غريبًا. وعندما تصبح الواسطة عادية، يصبح القانون عبئًا.
وعندما يصبح السلاح وسيلة لحل الخلاف، يصبح الحوار ضعفًا. وعندما يصبح الفساد أسلوب حياة، يصبح الشريف هو الاستثناء. وعندما يعتاد المجتمع على أن يتولى غير المؤهلين المواقع، تتراجع قيمة الكفاءة نفسها.
وهنا يتحول المثل من وصف للواقع إلى تفسير للواقع وتبرير له.وهذه أخطر مرحلة.
فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تفقد مؤسساتها وإنما تنهار أيضًا عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الطبيعي والشاذ وبين الحق والباطل وبين القوة والفوضى.
ما بعد الحرب يبدأ من هنا، إذا كان السودان يريد أن يخرج من أزمته، فإن إعادة البناء لا ينبغي أن تبدأ من الخرسانة وحدها ولا من إعادة تشييد المباني والطرق. إعادة البناء الحقيقية تبدأ من إعادة بناء مفهوم الدولة في العقل السوداني. نحتاج إلى أن نتفق على أن الوطن أكبر من الحزب وأن الدولة أكبر من الحكومة وأن الجيش مؤسسة وطنية لا طرف سياسي وأن السياسة ليست حربًا أخرى بوسائل مختلفة وأن المعارضة ليست عداوة للوطن وأن الاختلاف ليس خيانة.
نحتاج كذلك إلى مراجعة ثقافتنا السياسية والاجتماعية. فالمجتمع الذي ينتظر دائمًا الرجل القوي قد يصنع مستبدًا. والمجتمع الذي يخاف من القوة قد يصنع الفوضى.
أما المجتمع الناضج فهو الذي يريد مؤسسات قوية وأفرادًا خاضعين لها.
وهنا فقط يصبح التمساح رمزًا للدولة، لا رمزًا للبطش.
لا يكفي أن نطرد الورل، يختصر المثل السوداني القديم البلد الما فيها تمساح يقدل فيها الورل فلسفة سياسية واجتماعية عميقة هى عندما يغيب الأقوى أو تغيب المؤسسة القادرة على تنظيم القوة، يتقدم الأقل قدرة إلى الواجهة، ويصبح الفراغ نفسه مصدرًا للسلطة.
لكن السودان اليوم يحتاج إلى قراءة أعمق للمثل.
فالمشكلة ليست فقط في الورل الذي يقدل وإنما في البلد الذي سمح له بالقدلة.
وليست المشكلة فقط في غياب التمساح وإنما في غياب الدولة التي تمنع أصلًا الحاجة إلى التمساح.
ثم يأتي الجمل الذي لا يرى عوج رقبته ليذكرنا بأن إصلاح السودان لا يبدأ باتهام الآخرين فقط وإنما يبدأ أيضًا بمراجعة الذات والاعتراف بالأخطاء والتخلي عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا للحرب والانقسام. وما تؤكده التقارير الدولية أن الكلفة الإنسانية والاجتماعية والسياسية للصراع ما زالت هائلة وأن خطر التفكك والانقسام لا يمكن التعامل معه بالإنكار أو بالشعارات. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس من هو التمساح ومن هو الورل؟ بل هو كيف نبني بلدًا لا يحتاج فيه أحد إلى أن يكون تمساحًا حتى يحترم القانون ولا يستطيع فيه الورل أن يقدل لمجرد أن الآخرين غابوا؟
تلك هي معركة السودان الحقيقية بعد الحرب وهى أن يتحول السودان من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات ومن ثقافة الغلبة إلى ثقافة القانون ومن صراع القوة إلى قوة الدولة.
وعندها فقط لن يكون مهمًا من هو التمساح ومن هو الورل، لأن الجميع سيكونون مواطنين متساوين أمام دولة تعرف عوجة رقبتها وتعرف كيف تصلحها.




