رواتب فقدت 90% من قيمتها.. تحوّل غضب المعلمين إلى موجة إضرابات في السودان؟

كتب : حسين سعد
قبل أن تُفتح أبواب المدرسة في الصباح، يقف المعلم في السودان مكتفياً بجيب شبه فارغ، يفكر في كيف سيقسم راتبه الذي لم يعد يكفي حتى لأيام قليلة من الشهر.
وبين دفاتر التلاميذ وسبورة الفصل، هناك حياة أخرى أكثر قسوة تنتظره في المنزل: إيجار متأخر، أطفال يحتاجون إلى طعام ودواء واحتياجات يومية تتجاوز بكثير ما يتقاضاه من مرتب فقد أكثر من 90% من قيمته خلال سنوات قليلة.
هذا المعلم، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في بناء المستقبل، يجد نفسه اليوم في مواجهة معركة معيشية لا تقل قسوة عن رسالته التربوية. فهو يعلّم الأجيال، ويغرس القيم، ويصنع ملامح الغد في عقول التلاميذ، بينما يعجز راتبه عن حماية حاضر أسرته. وبينما يواصل الوقوف أمام الطلاب بإخلاص، تتآكل قدرته على الصمود خارج أسوار المدرسة، في ظل انهيار حاد في القوة الشرائية وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة.
ومع اتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات، لم يعد الصمت خياراً. تحولت معاناة المعلمين إلى موجة احتجاجات وإضرابات واسعة، تعكس عمق الأزمة التي تضرب قطاع التعليم في السودان، وتكشف في الوقت ذاته أن القضية لم تعد مجرد مطالب مالية، بل صراع من أجل الكرامة الإنسانية ، ومن أجل بقاء مهنة التعليم نفسها قادرة على الاستمرار في بلد يواجه تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة.
تصاعد مطالبي..
وشهدت الايام الماضية تصاعد واحدة من أكبر الحركات المطلبية التي شهدها قطاع التعليم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فالمعلمون الذين واجهوا خلال السنوات الماضية تدهوراً متسارعاً في أوضاعهم المعيشية، وجدوا أنفسهم أمام أزمة اقتصادية خانقة جعلت رواتبهم عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، الأمر الذي دفعهم إلى تنظيم سلسلة من التحركات الاحتجاجية والإضرابات في عدد من الولايات للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية والمهنية.
١٧ دولار شهريا..
وتقول لجنة المعلمين السودانيين إن جذور الأزمة تعود إلى الانهيار الحاد في القوة الشرائية للأجور.
وأظهرت بيانات صادرة عن لجنة المعلمين أن راتب المعلم في الدرجة التاسعة تراجع إلى ما يعادل نحو 17 دولاراً شهرياً وفق سعر الصرف الحالي، في مؤشر جديد على الانهيار الحاد في الأجور داخل القطاع التعليمي.
وقالت اللجنة إن الرواتب الأساسية للمعلمين تتراوح حالياً بين 82,000 جنيه للدرجة التاسعة و225,000 جنيه للدرجة الأولى، أي ما يعادل بين 17.83 و48.91 دولاراً. وأوضحت أن هذه القيم كانت في عام 2022 تعادل ما بين 181 و498 دولاراً، ما يعني فقدان أكثر من 90% من القوة الشرائية خلال ثلاث سنوات.
وأشار التقرير إلى أن راتب الدرجة الأولى انخفض من نحو 498 دولاراً إلى أقل من 49 دولاراً، بينما تراجع راتب الدرجة التاسعة من 181 دولاراً إلى أقل من 18 دولاراً، في ظل ارتفاع كبير في تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج
ويؤكد معلمون أن هذه الأجور لم تعد تكفي لتغطية تكاليف الغذاء والسكن والعلاج والمواصلات، ما دفع كثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية أو مغادرة المهنة، بينما يواجه آخرون صعوبات متزايدة في إعالة أسرهم.
اضراب مفتوح..
وفي الأول من يونيو 2026، دخل معلمون في عدد من الولايات في إضراب مفتوح احتجاجاً على تدني الأجور وعدم صرف الرواتب والمتأخرات المالية. وفي ولاية الخرطوم شمل الإضراب نحو مئة مدرسة، حيث أكدت لجان المعلمين أن عيد الأضحى الماضي مرّ دون صرف المرتبات أو المنح المستحقة، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية على العاملين في القطاع التعليمي.
ورفع المعلمون جملة من المطالب، أبرزها زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 216 ألف جنيه، وصرف جميع المتأخرات المالية، وتنفيذ الترقيات المستحقة، وإلغاء سياسات الإجازات القسرية، إلى جانب زيادة الإنفاق الحكومي على التعليم باعتباره حقاً أساسياً من حقوق المواطنين.
استدعاء معلم..
ومع اتساع الحراك المطلبي، شهدت ولاية كسلا تطورات لافتة. ففي 31 مايو 2026 أعلنت لجنة المعلمين بالولاية الدخول في إضراب شامل في جميع المحليات احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية وعدم صرف الاستحقاقات المالية المتراكمة. وأوضحت اللجنة أن راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 156 ألف جنيه، وهو مبلغ لا يغطي حتى تكاليف المواصلات اليومية في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.
وفي الثالث من يونيو، استدعت الأجهزة الأمنية بولاية كسلا رئيس لجنة المعلمين السودانيين بالولاية، الأستاذ سيد تمبة، للتحقيق معه على خلفية نشاطه النقابي ومتابعته لقضايا المعلمين. وأثارت الخطوة ردود فعل وسط الأوساط التعليمية والنقابية، فيما أكدت لجنة المعلمين تمسكها بالوسائل السلمية والقانونية في الدفاع عن حقوق المعلمين ورفضها لأي إجراءات تحد من حرية العمل النقابي.
مذكرة معلمي الجزيرة..
وفي سياق متصل، لجأ المعلمون في ولاية الجزيرة إلى مسار آخر من التصعيد السلمي، حيث سلموا في السادس من يونيو مذكرة مطلبية إلى وزارة التربية والتعليم تحت إجراءات أمنية مشددة حول مبنى الوزارة. وطالبت المذكرة بصرف مستحقات عام 2023 ورواتب عام 2024 كاملة، وسداد المتأخرات المالية، ومنح الأعياد، والبديل النقدي، وبدل اللبس المتأخر لأربع سنوات، فضلاً عن معالجة ملفات الترقيات والحقوق الإدارية.
كما تطرقت المذكرة إلى قضايا العملية التعليمية نفسها، داعية إلى إلغاء العام الدراسي المضغوط ورفض تكديس المناهج، والالتزام بالتقويم الدراسي المتعارف عليه بما يضمن استيفاء الحد الأدنى من الأيام الدراسية المطلوبة.
وفي الثامن من يونيو، تزامن بدء العام الدراسي في ولاية كسلا مع تنفيذ إضراب مفتوح وصفته لجنة المعلمين بأنه من أوسع التحركات النقابية في الولاية. وقالت اللجنة إن الإضراب شمل أكثر من 700 مدرسة وشارك فيه أكثر من 9000 معلم في 11 محلية، بنسبة التزام بلغت نحو 95%، بينما سجلت بعض المحليات نسبة مشاركة كاملة.
ويطالب معلمو كسلا بصرف مرتبات شهري نوفمبر وديسمبر 2023، والبديل النقدي وبدل اللبس ومنح الأعياد المتأخرة، إضافة إلى مراجعة هيكل الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة. كما أشاروا إلى تحديات إضافية تواجه المعلمين في المناطق الريفية والنائية، خاصة ما يتعلق بوسائل الترحيل وصعوبة الوصول إلى المدارس.
وفي المقابل، أعلنت حكومة الولاية المضي في افتتاح العام الدراسي، حيث تعهدت وزارة التربية والتعليم بتطبيق العلاوة الجديدة اعتباراً من راتب يونيو وإدراج بعض المزايا المالية للمعلمين، داعية إلى مراعاة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد. غير أن لجنة المعلمين اعتبرت هذه الإجراءات غير كافية لمعالجة جذور الأزمة، مؤكدة أن مئات المدارس ما تزال مغلقة وأن الحل يكمن في الاستجابة الجادة للمطالب المطروحة.
تحديات قطاع التعليم..
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تتجاوز قضية الرواتب وحدها، إذ تعكس التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع التعليم السوداني منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك تدمير المدارس، وتعطل الدراسة في مناطق واسعة، وتزايد معدلات التسرب من التعليم، وهجرة الكوادر المؤهلة إلى قطاعات أو دول أخرى بحثاً عن ظروف معيشية أفضل.
ومع اتساع دائرة الإضراب وتنامي التضامن بين المعلمين في عدد من الولايات، تبدو السلطات أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على معالجة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في البلاد. فبينما يؤكد المعلمون أن مطالبهم ترتبط بحقوق أساسية تكفل لهم حياة كريمة وتمكنهم من أداء رسالتهم التربوية، يحذر تربويون من أن استمرار الأزمة دون حلول عملية قد ينعكس بصورة مباشرة على ملايين الطلاب الذين يواجهون بالفعل تداعيات الحرب وتعطل الدراسة.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد إضراب المعلمين مجرد نزاع مهني حول الأجور والمستحقات المالية، بل تحول إلى مؤشر على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السودان، وإلى معركة مفتوحة حول مستقبل التعليم وحق الأجيال القادمة في الحصول على تعليم مستقر وجيد.




