احتفال الولايات المتحدة بمرور ربع ألفية على استقلالها (١-١) : هل تتحول امريكا من الجمهورية الدستورية إلى جمهورية الخوارزميات؟

احتفال الولايات المتحدة بمرور ربع ألفية على استقلالها (١-١)
هل تتحول امريكا من الجمهورية الدستورية إلى جمهورية الخوارزميات؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
عندما اجتمع الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في أواخر القرن الثامن عشر. كان هاجسهم الأساسي هو منع احتكار السلطة. ومن ثمّ صاغوا نظامًا سياسيًا يقوم على الفصل بين السلطات والتوازن بينها والرقابة المتبادلة. ولم يكن في حسبانهم أن يأتي يوم تصبح فيه السلطة موزعة بين البيت الأبيض والكونغرس والمحكمة العليا وبين شركات تمتلك بيانات لمليارات البشر وتدير منصات يتلقى عبرها الناس الأخبار ويصوغون من خلالها آراءهم السياسية وتتشكل منها اختياراتهم الانتخابية.
ولقد انتقلت القوة في القرن الحادي والعشرين من امتلاك الأرض إلى امتلاك المعرفة ومن السيطرة على الموارد الطبيعية إلى السيطرة على البيانات. وأصبحت البيانات توصف بأنها فط العصر ، بينما غدت الخوارزميات تمثل البنية التحتية الجديدة للنفوذ العالمي.
ويذهب المفكرين إلى أن من يمتلك البيانات ووسائل تحليلها يمتلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في السلوك الإنساني وهو ما يثير أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول مستقبل الحرية الفردية والديمقراطية.
وفي السياق ذاته يرى الفلاسوفة أن الإنسان الحديث لم يعد يعيش تحت سلطة القمع التقليدي بل تحت سلطة الأداء والرقابة الرقمية حيث يتحول الفرد طوعًا إلى منتج للبيانات وبينما تتزايد قدرة المؤسسات والشركات على توجيه سلوكه دون أن يشعر.
وتجعل هذه الرؤية السؤال المطروح اليوم الأكثر تعقيدًا هو هل ما تزال السلطة السياسية هي صاحبة القرار النهائي أم أن القوة الحقيقية أصبحت بيد من يملك التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية؟
ام انالمليارديرات هم شركاء في صناعة القرار أم مراكز قوة موازية؟
شهد العقد الأخير صعودًا لافتًا لنفوذ كبار رجال الأعمال في قطاعات التكنولوجيا والفضاء والاتصالات والذكاء الاصطناعي. ولم يعد تأثيرهم مقتصرًا على الاقتصاد لكنه امتد إلى السياسة والإعلام والأمن القومي. وإن العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال ليست جديدة في التاريخ الأمريكي لكنها اكتسبت بعدًا مختلفًا مع الثورة الرقمية. فالشركات العملاقة باتت تدير بنية تحتية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي لا مناص وكما تمتلك قدرات تقنية قد تتجاوز في بعض المجالات قدرات دول بأكملها.
ويحذر علماء الاقتصاد من أن تركز الثروة والاحتكار الاقتصادي يهددان تكافؤ الفرص ويقوضان المنافسة وهذا سيؤديان في نهاية المطاف إلى اتساع الفجوة بين النخب وبقية المجتمع.
الدولة الاجتماعية هل تتراجع أم تعيد تعريف نفسها من جديد؟ فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي شكّل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وبرامج الحماية الاجتماعية جزءًا من العقد الاجتماعي الأمريكي رغم اختلاف الإدارات حول حجم دور الدولة.
واليوم يتجدد الجدل حول مستقبل هذه البرامج في ظل الضغوط المالية وارتفاع الدين العام والشيخوخة السكانية وتسارع التحول الرقمي. ويرى فريق من الخبراء أن تقليص دور الدولة يعزز الكفاءة الاقتصادية ويحفز الاستثمار وبينما يحذر آخرون من أن إضعاف شبكات الأمان الاجتماعي قد يؤدي إلى تعميق التفاوت الاجتماعي وإضعاف الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار الأمريكي.
بين الحروب الإقليمية هل نرى عالم متعدد الأزمات؟
لا يمكن قراءة المشهد الأمريكي بمعزل عن البيئة الدولية المضطربة. فالحرب والتوترات والمنافسة الاستراتيجية وتصاعد سباقات التسلح والتقنيات المتقدمة جميعها تجعل من القرارات الأمريكية ذات تأثير عالمي مباشر.
وفي هذا السياق تتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي ليس فقط بوصفه أداة اقتصادية بل باعتباره عاملًا مؤثرًا في الأمن القومي والاستخبارات والصناعات العسكرية وإدارة الاقتصاد. ولذلك فإن التنافس العالمي لم يعد يدور فقط حول حاملات الطائرات أو الترسانات النووية لكن حول مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية والقدرة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
و من هنا هل يعيش العالم نهاية النظام الدولي الذي عرفناه؟
بعد نهاية الحرب الباردة ساد الاعتقاد بأن النظام الدولي سيدخل مرحلة طويلة من الهيمنة الأمريكية. لكن العقود الأخيرة كشفت عن واقع أكثر تعقيدًا حيث تتقدم قوى جديدة اقتصاديًا وتقنيًا وبينما تتراجع قدرة أي دولة منفردة على إدارة النظام العالمي.
وقد تنبأ علماء الاجتماع بأن العالم سيدخل عصر مجتمع المخاطر وحيث تصبح الأزمات عابرة للحدود خاصة مثل الأوبئة إلى تغير المناخى ومن الهجمات السيبرانية إلى اضطرابات الأسواق المالية.
واليوم تبدو هذه الرؤية أكثر واقعية من أي وقت مضى إذ لم تعد أي دولة قادرة على عزل نفسها عن تداعيات الأزمات العالمية مهما بلغت قوتها.
ان الديمقراطية أمام اختبار القرن الحادي والعشرين
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هو هل تستطيع الديمقراطية التكيف مع عصر الذكاء الاصطناعي والتضليل الرقمي والاستقطاب الحاد وتزايد نفوذ الشركات العملاقة؟
إن التجربة الأمريكية ستظل محل متابعة دقيقة ليس لأن الولايات المتحدة وحدها تواجه هذه التحديات بل لأنها تمثل مرآة لتحولات يعيشها العالم بأسره. وما يحدث في واشنطن قد يكون مقدمة لما ستواجهه ديمقراطيات أخرى خلال السنوات المقبلة.
ولعل احتفال الولايات المتحدة بمرور ربع ألفية على استقلالها لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض للقوة أو استذكار للأمجاد لكنها فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى مثل كيف تُحمى الديمقراطية؟ وكيف تُوازن الدولة بين الحرية والأمن وبين الابتكار والعدالة وبين نفوذ السوق وحقوق المواطنين؟
إن مستقبل الولايات المتحدة، في نهاية المطاف، لن يتحدد فقط بمن يجلس في المكتب البيضاوي، بل بقدرة المجتمع الأمريكي على صون مؤسساته، وتجديد عقده الاجتماعي، والتعامل بحكمة مع الثورة التكنولوجية التي تعيد رسم ملامح السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.




