سياسة

من الطلاسم إلى الدولةكيف كشفت حرب 15 أبريل 2023 أزمة السودان الحقيقية؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبداللة موسى احمد

ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهات عسكرية بين أطراف متنازعة لكنها لحظات تاريخية كاشفة تُظهر ما ظل مستترًا لعقود. وما شهده السودان منذ 15 أبريل 2023 لم يكن مجرد صدام بين الجيش وقوات الدعم السريع بل كان انهيارًا بالغ الدلالة لنموذج الدولة الذي تشكل منذ الحقبة الاستعمارية وتراكمت فوقه طبقات متداخلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية حتى بات عاجزًا عن حماية المجتمع أو إنتاج مشروع وطني جامع.


وفي خضم هذا الانهيار برزت قراءات متعددة بعضها أعاد تفسير الأزمة من منظور الجغرافيا السياسية وبعضها من زاوية الاقتصاد والموارد فيما ذهبت قراءات أخرى – مثل مقال أسامة كنينة وما كُتب تعليقًا عليه – إلى البحث في البنية الرمزية والثقافية العميقة التي أسهمت في تشكيل الوعي السياسي السوداني وربطت ذلك بالموروث الاستعماري والرموز والمؤسسات وحتى الماسونية والطلاسم.


وبين هذه القراءات جميعًا يبرز سؤال أكثر أهمية هل تكفي نظرية واحدة لتفسير مأساة السودان أم أن الأزمة أكبر من أن تُختزل في تفسير واحد مهما بدا جذابًا؟
أثبتت حرب أبريل أن الدولة السودانية كانت أضعف بكثير مما كان يُتصور.


ففي أيام قليلة انهارت مؤسسات وتعطلت خدمات ونزح الملايين وانهار الاقتصاد وتفتتت السلطة لتتكشف حقيقة مؤلمة مفادها أن الدولة لم تكن قائمة على مؤسسات راسخة لكنها على توازنات هشة بين مراكز القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية.


وهنا تلتقي قراءة أسامة كنينة مع جانب من الواقع ليس بالضرورة في تفسيره الميتافيزيقي وإنما في تشخيصه لوجود أزمة عميقة في بنية الدولة ووعي نخبها.


فالاستعمار لم يترك خلفه حدودًا وجهازًا إداريًا فحسب للكنه ترك نموذجًا للحكم وأسلوبًا لإدارة المجتمع ونخبة سياسية وإدارية واصلت إعادة إنتاج كثير من آليات السلطة بعد الاستقلال.
غير أن تحميل ذلك كله لـ”المحافل الماسونية” وحدها يغفل حقيقة أن السودانيين أنفسهم أصبحوا جزءًا من إنتاج الأزمة عبر الانقلابات العسكرية والصراعات الحزبية والاستقطاب الأيديولوجي وضعف المؤسسات وعجز النخب عن بناء عقد اجتماعي جديد للدولة السودانية.


وإذا كان هنالك ثمة درس أساسي خرج به السودانيون من هذه الحرب فهو أن غياب العدالة هو الطريق الأقصر إلى انهيار الدولة.
فعلى مدى عقود ظلت ثقافة الإفلات من العقاب تحكم المجال السياسي. وانقلابات بلا محاسبة.وحروب بلا مساءلة. وفساد بلا عقوبات. وانتهاكات بلا عدالة.


وتحولت الدولة إلى مساحة يتساوى فيها الضعيف مع الضحية وبينما يظل صاحب القوة فوق القانون.
ولهذا فإن الحديث عن تأسيس دولة جديدة لا يمكن أن يبدأ من الدستور وحده لكنه من بناء منظومة قانونية تجعل جميع المواطنين مدنيين وعسكريين وحكامًا ومحكومين متساوين أمام القانون.
فالدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص وإنما على سيادة القانون. ولا تُبنى بالانتقام وإنما بالمحاسبة العادلة. ولا تستقر بالشعارات وإنما بالمؤسسات.


منذ اندلاع الحرب تصاعدت أصوات تنادي بضرورة “تأسيس دولة سودانية بفكر جديد”.
وهذا الشعار رغم اختلاف أصحابه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن العودة إلى ما قبل أبريل 2023 لم تعد ممكنة.
فالسودان القديم بكل صراعاته بلغ نهايته. لكن السؤال الحقيقي هو أي فكر جديد؟ هل هو تغيير الأشخاص فقط؟ أم تغيير قواعد اللعبة كلها؟


إن إعادة التأسيس لا تعني هدم التاريخ وإنما مراجعة التجربة الوطنية بأكملها. ومراجعة علاقة الجيش بالسياسة. وعلاقة المركز بالأقاليم. وعلاقة الهوية بالمواطنة. وعلاقة الدين بالدولة. وعلاقة الاقتصاد بالإنتاج الحقيقي. وعلاقة السلطة بالمجتمع.
لم تكن الحرب مجرد معركة عسكرية بل كانت كارثة اقتصادية. فقد دُمرت المصانع. وتوقفت التجارة. وانهارت العملة. وتراجعت الصادرات. وتضرر القطاع الزراعي وهو العمود الفقري للاقتصاد السوداني.


وهنا يتبين أن الأزمة ليست فقط في السلطة لكنها في نموذج اقتصادي ظل يعتمد على تصدير المواد الخام والمساعدات الخارجية والاقتصاد الريعي بدلًا من التصنيع والإنتاج.
ولهذا فإن أي مشروع وطني جديد يجب أن يبدأ بإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاج لا الاستهلاك وعلى الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الموارد.
من أهم ما يلفت النظر في المقال محل النقاش أنه يدعو إلى قراءة الرموز والخطابات والثقافة بوصفها جزءًا من صناعة السلطة.


وهذه فكرة تستحق الاهتمام حتى وإن اختلفنا مع بعض تطبيقاتها.
فالسيطرة لا تتم بالسلاح وحده. بل تتم أيضًا عبر المناهج والإعلام والخطاب السياسي والرموز
واللغة والذاكرة الجماعية. غير أن مواجهة ذلك لا تكون باستبدال سردية غيبية بأخرى وإنما بإحياء العقل النقدي وتشجيع البحث العلمي وتطوير التعليم وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف. فالوعي هو خط الدفاع الأول عن أي دولة.
من السهل تفسير كل ما حدث بأنه مؤامرة خارجية.


ومن السهل أيضًا إنكار أي دور للخارج. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالسودان ظل محل تنافس إقليمي ودولي بحكم موقعه وثرواته. غير أن التدخل الخارجي لا ينجح إلا عندما يجد هشاشة داخلية. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس من تآمر علينا؟ بل لماذا استطاع أن يتآمر علينا؟ ولماذا كانت مؤسساتنا بهذه الهشاشة؟
ولماذا ظل مشروع الدولة الوطنية ناقصًا بعد أكثر من سبعين عامًا على الاستقلال؟


إن الدعوات إلى تأسيس دولة سودانية جديدة لن يكون لها معنى إذا لم تتحول إلى مشروع وطني يقوم على خمسة أسس رئيسية هى المواطنة المتساوية بلا تمييز. وسيادة حكم القانون والمحاسبة على الجميع وجيش وطني مهني بعيد عن العمل السياسي واقتصاد إنتاجي يحقق العدالة والتنمية وتعليم حديث يصنع العقل النقدي لا عقل التلقين.وهذه ليست شعارات نظرية بل شروط لبقاء الدولة .


لقد كشفت حرب الخامس عشر من أبريل أن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة سلطة ولا مجرد صراع بين جنرالين ولا مجرد امتداد لمؤامرات الخارج بل هي أزمة مشروع وطني لم يكتمل منذ الاستقلال.
ومن هنا فإن قيمة المقالات التي تحاول قراءة البعد الرمزي والثقافي للأزمة تكمن في أنها توسع دائرة التفكير لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير أحادي يلغي الاقتصاد والسياسة والتاريخ والاجتماع.


فالسودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي هو إما أن يعيد إنتاج الدولة القديمة بأزماتها أو أن يؤسس دولة جديدة يكون فيها الإنسان محور التنمية والقانون مصدر الشرعية والمواطنة أساس الحقوق والمحاسبة الضامن الوحيد لعدم تكرار المأساة.
وعندها فقط لن يكون المطلوب فك “طلسم السودان”، بل بناء دولة لا تحتاج أصلًا إلى الطلاسم كي تبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى