حين نصفّق للقوّة وننسى العدالة

حين نصفّق للقوّة وننسى العدالة
عندما يتشاجر طرفان، لا تتجه أنظار كثيرين إلى جوهر الخلاف ولا إلى جذوره العميقة، بل تتجه في عجلٍ مُريب – إلى ميزان القوّة.
من الغالب؟ من الأعلى صوتًا؟ من يملك القدرة على الحسم؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… لا حكاية الشجار، بل حكاية المجتمع.
في تلك اللحظة التي نختار فيها التصفيق للأقوى، نُعلن – دون أن نشعر – انحيازنا لمنطق الغاب.
نصنع واقعًا تتحكم به العضلات لا المبادئ، وتُدار فيه القضايا بميزان البطش لا بميزان الحق.
نغادر القوانين الإنسانية العادلة، ونستبدلها بقانونٍ مختصرٍ يقول: القوة أولاً… والبقية تفاصيل.
لكن التفاصيل هي الإنسان.
في كل نزاع، هناك رواية خافتة تختبئ خلف الضجيج، هناك حقٌّ قد يكون ضعيف الصوت، لكنه قويّ الجوهر.
غير أن مجتمعاتٍ اعتادت الاصطفاف مع الأقوى لا تمنح هذا الصوت فرصة الظهور.
تُغريها سطوة الغالب، فيتماهى الفرد مع القوة طمعًا في الأمان، أو رهبةً من العزلة، أو بحثًا عن مكسبٍ سريع.
وهكذا يتآكل الضمير بالتدريج، حتى يصبح التنمر سلوكًا مألوفًا، بل ومبررًا.
التنمر لا يولد فجأة؛ إنه ابنُ تصفيقٍ متكرر.
كل مرة نصفّق فيها للظلم لأنه قوي، نُسهم في تمديد عمره.
وكل مرة نصمت فيها عن انحيازٍ فجّ، نمنح الباطل شرعيةً مؤقتة.
إن الدفاع عن الحقوق لا يحتاج إلى عضلات، بل إلى شجاعة أخلاقية.
يحتاج إلى فردٍ يقف في المسافة الفاصلة بين المتخاصمين، لا ليُرجّح كفة الأقوى، بل ليُعيد الميزان إلى مركزه.
فالمجتمع العادل لا يُقاس بعدد الأقوياء فيه، بل بقدرته على حماية الضعفاء.
العدالة ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وجودية.
وحين تُستبدل بالقوة، تتحول العلاقات إلى تحالفات مصلحية، ويصبح الولاء للنفوذ لا للقيم.
عندها يتراجع القانون إلى الهامش، ويصعد الخوف إلى المنصة.
إن أخطر ما في الأمر ليس الشجار ذاته، بل التحوّل الصامت في وجدان الناس:
أن يصبح الانحياز للقوة فضيلة،
وأن يُنظر إلى الحياد الأخلاقي كضعف،
وأن يُتهم المدافع عن الحق بأنه يحارب التيار.
لكن التيار – مهما اشتد – لا يُلغي حقيقة أن العدالة هي الأصل، وأن القوة دون ضابطٍ أخلاقي تتحول إلى عبءٍ على الجميع، حتى على من ظنوا أنهم في صفّها.
لعل الدور الحقيقي للفرد يبدأ حين يرفض التصفيق الأعمى، ويختار أن يكون شاهدًا منصفًا لا تابعًا مبهورًا. أن يسأل: من المظلوم؟ لا: من الأقوى؟
أن يبحث عن الحق، لا عن الغلبة.
فالمجتمعات لا تسقط دفعة واحدة، بل تسقط حين يصبح الظلم مألوفًا، وحين يتحول الصمت إلى عادة، وحين نبرر القسوة باسم الواقعية.
فلننتبه…
ففي كل شجار، امتحانٌ صامت لضمائرنا.
إما أن نُكرّس عالمًا تحكمه القوة،
أو نُؤسس واقعًا تحرسه العدالة.




