الشباب السوداني في أوروبا : بين التُروحات ونسيان الوطن الذي غادره مُنخراً

بقلم : ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )
في 15 أبريل 2023، اندلعت حرب في السودان قلبت حياة ملايين السودانيين رأسًا على عقب، ودفت العديدين منهم إلى النزوح واللجوء، خاصة الشباب الذي وجد نفسه محاصرًا بين متحاربين يلتقيان عند دفعه إلى خطوط النار أو تركه لمصير النزوح .
اليوم، يعيش شباب السودان في أوروبا في حالة من الازدواجية الصعبة: بين الاندماج الناجح في سوق العمل الأوروبي، وبين نسيان تدريجي للقضية التي جعلتهم يغادرون.
الاندماج الناجح: قصة نجاح في ألمانيا وأوروبا
تعيش في ألمانيا جالية سودانية كبيرة منذ عقود، ويشهد عدد أفرادها تزايدا مستمرًا لاسيما بعد اندلاع الصراع المسلح .
تمكن عدد كبير من السودانيين، إلا سيما الشباب، من الاندماج بنجاح في سوق العمل الألماني، حيث يعملون في مجالات متعدّدة ويساهمون في الاقتصاد من خلال دفع الضرائب .
هذا الاندماج يُعدّ قصة نجاح حقيقية، لكنه في الوقت ذاته يحمل خطرًا خفيًا: هل أصبح الترفيه والحياة الجديدة بديلًا عن هموم الوطن؟
الواقع المؤلم: ضياع الهدف والعيش بلا قضية
ما يُوجع القلب ويُشعل الغضب في صدر كل سوداني ما زال في قلبه نبض وكرامة هو ما يرى اليوم من الشباب السودانيين خارج الوطن: ضياع الهدف، وقبول الإهانة، والعيش بلا قضية، وكأن السودان لم يكن .
إلى أبنائنا من الشباب السودانيين خارج الوطن: الغضب ليس من اندماجكم، بل من تقبّلكم أن يصبح السودان مجرد ذكرى تُحمل في حقائب النزوح بدلاً من أن يكون قضية تُحارب من أجلها.
الثورة من الميادين إلى المقاهي: تحول مقلق
الشباب السوداني ما كانوا مجرد أصوات في الميادين، كانوا دماء ووجع… لكن اليوم، تحولت تجمعات المقاهي في الخارج من منتديات فكرية ونقاشات وطنية إلى أماكن للترفيه فقط .
في ثورة ديسمبر 2018، كان الشباب “جيل المتاريس” الذي تعلّم التقنيات الرقمية وصاغ أحلامه في شوارع المدن، ليواجه العنف بإرادة أسطورية وصدور عارية . اليوم، هل أصبح تلك الصدور العارية تستدير خلف أبواب المقاهي الأوروبية؟
التكامل الضروري: بين الداخل والخارج
برز نموذج غرف الطوارئ والتكايا في الداخل كمقاومة وابتكار، بينما عملت المبادرات الشبابية في الخارج على تنسيق الجهود وتوحيدها .
الشبكة الشبابية السودانية في الخارج تضم شابات وشبابًا من خلفيات متنوعة، تجمعهم غاية مشتركة تتمثل في وقف الحرب وبناء تحول مدني ديمقراطي .
لكن السؤال: هل هذه الشبكة نشطة بما يكفي؟ هل الشباب في أوروبا يواصلون الضغط المنظم على جميع الأطراف؟
الخطر الحقيقي:Youngster” (الشبابوية) والضياع
تعددت الحواجز التي دفعت الشباب نحو الزهد في العمل الحزبي، حيث يصطدم طموحهم بغياب الديمقراطية الداخلية وانزلاق الأحزاب نحو البراغماتية المفرطة . لكن الخطر الأكبر هو الشبابوية كأيديولوجيا تقوم على فكرة أن الشباب وحدهم قادرون على حل مشاكلهم بمعزل عن باقي الفاعلين، وهو استغلال أيديولوجي يهمّش التكامل الضروري .
الأخطر من ذلك: الشبابوية الترفيهية التي تحوّل الشباب من فاعلين سياسيين إلى مستهلكين للترفيه.
رسالة للشباب السوداني في أوروبا
إلى شباب السودان في أوروبا: لا تدعو التُروحات تغرق هموم الوطن. الحرب في السودان ما هي إلا محاولة أخيرة لوأد ثورة ديسمبر التي سُقيت بدماء الشباب . تحويل تجمعات المقاهي في الخارج إلى منتديات فكرية تتجاوز السرديات المعلبة ضرورة لبناء سردية شبابية واعية .
الأوطان تُبنى بطاقات الشباب وأفكارهم، لا بترفيههم فقط . لا تجعلوا السودان مجرد ذكرى في حقائب النزوح، بل اجعلوه قضية تعيش في قلوبكم وتُحارب من طريقكم.



