مقالات

لماذا يفشل “التغيير الفوقي” في السودان؟ وهل الأحزاب هي الحل؟

لماذا يفشل “التغيير الفوقي” في السودان؟ وهل الأحزاب هي الحل؟
بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن( مجنق )
في كل مرحلة انتقالية يشهدها السودان، يتجدد الأمل في “تغيير قادم” تقوده النخب السياسية أو العسكرية من أعلى هرم السلطة. غير أن التجربة السودانية، الممتدة منذ الاستقلال، تكشف نمطًا متكررًا: تغيير فوقي سريع، يعقبه تعثر، ثم انتكاسة، وأحيانًا عودة إلى نقطة الصفر.


يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: لماذا يفشل التغيير الفوقي في السودان؟ وهل يمكن للأحزاب السياسية أن تكون جزءًا من الحل أم أنها جزء من الأزمة؟
أولًا، يقوم “التغيير الفوقي” في السودان غالبًا على إعادة توزيع السلطة بين النخب، وليس على إعادة بناء الدولة.
يتم التركيز على تشكيل حكومات، وتقاسم مناصب، وإصدار بيانات سياسية، بينما تبقى البُنى العميقة—مثل مؤسسات الحكم المحلي، والاقتصاد الريفي، وآليات العدالة—دون إصلاح حقيقي.


هذا النوع من التغيير يفتقر إلى الجذور المجتمعية، مما يجعله هشًا وسهل الانهيار عند أول اختبار.
ثانيًا، يغيب عن التغيير الفوقي البعد التشاركي.
فغالبًا ما يتم إقصاء المجتمعات المحلية، ولجان المقاومة، ومنظمات المجتمع المدني من عمليات صنع القرار.
النتيجة هي فجوة ثقة بين المركز والمجتمع، حيث لا يشعر المواطن بأن التغيير يعبر عن مصالحه أو أولوياته.
وعندما تغيب الملكية الشعبية للتغيير، يصبح الدفاع عنه ضعيفًا، ويكون إسقاطه سهلًا.


ثالثًا، يتجاهل التغيير الفوقي تعقيدات السودان كدولة متعددة الهويات والتحديات.
فالمشكلات في دارفور، وجنوب كردفان، والشرق ليست مجرد أزمات أمنية، بل هي قضايا تهميش تاريخي، وغياب تنمية، وصراع على الموارد.
أي تغيير لا يعالج هذه الجذور عبر مقاربة شاملة وعادلة، سيظل سطحيًا ومؤقتًا.
أما فيما يتعلق بالأحزاب السياسية، فإن السؤال ليس ما إذا كانت هي الحل، بل أي نوع من الأحزاب يمكن أن يكون جزءًا من الحل.
الأحزاب السودانية، في كثير من الأحيان، تعاني من ضعف المؤسسية، وغياب الديمقراطية الداخلية، والارتباط بالزعامات التقليدية أكثر من البرامج.


كما أن بعضها يفتقر إلى قواعد شعبية حقيقية خارج المدن الكبرى، مما يحد من قدرته على تمثيل التنوع السوداني.
ومع ذلك، لا يمكن تصور تحول ديمقراطي دون أحزاب سياسية فاعلة. الأحزاب، في صورتها المثلى، هي أدوات لتنظيم المصالح، وصياغة البرامج، وتقديم بدائل سياسية.
لكن لكي تقوم بهذا الدور، تحتاج إلى إعادة بناء عميقة تشمل تحديث هياكلها، والانفتاح على الشباب والنساء، وربط خطابها بقضايا الناس اليومية مثل المعيشة والخدمات والأمن.


إن البديل الحقيقي للتغيير الفوقي ليس فقط “تغييرًا قاعديًا”، بل عملية متكاملة تجمع بين إصلاح مؤسسات الدولة من الأعلى، وتمكين المجتمعات من الأسفل. وهذا يتطلب رؤية وطنية مشتركة، تتجاوز منطق المحاصصة إلى منطق العقد الاجتماعي الجديد، الذي يحدد بوضوح علاقة الدولة بالمواطن، ويؤسس للعدالة والمساءلة.


في الختام، يفشل التغيير الفوقي في السودان لأنه يتجاهل المجتمع، ويختزل الدولة في السلطة، ويعالج الأعراض بدل الجذور.
أما الأحزاب، فهي ليست الحل في وضعها الحالي، لكنها يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من الحل إذا أعادت تعريف نفسها، وانخرطت بصدق في مشروع وطني جامع، يقوم على المشاركة، والعدالة، والاستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى