مقالات

حين تصمت المدن: الفن السوداني في مواجهة حرب 15 أبريل


من ذاكرة الإبداع إلى مقاومة النسيان كيف أعادت الحرب تشكيل المشهد الفني والثقافي السوداني؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com

لم تكن حرب 15 أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية عطّلت مظاهر الحياة في السودان بل كانت زلزالاً اجتماعياً وثقافياً عميقاً امتدت ارتداداته إلى وجدان المجتمع وذاكرته وإنتاجه الإبداعي. فبينما دمرت المدافع المدن وأغلقت المسارح وأطفأت أضواء المراكز الثقافية وتفرّق الفنانون والموسيقيون في المنافي وجد الفن السوداني نفسه أمام اختبار وجودي غير مسبوق وكيف يحافظ على صوته وهويته في وطن تنهشه الحرب وتثقل كاهله المأساة الإنسانية؟
لقد كان الفن، عبر تاريخ السودان الحديث أكثر من وسيلة للترفيه أو نشاطاً جمالياً فقد مثّل فضاءً للتعبير عن التنوع الثقافي ومرآة لتحولات المجتمع وأداة لترسيخ الوجدان الوطني. ومن الأغنية والموسيقى إلى المسرح والشعر والتشكيل والتصوير أسهم المبدعون في صياغة الوعي الجمعي والتعبير عن تطلعات السودانيين وآمالهم في الحرية والسلام والعدالة. لذلك فإن ما أصاب الحركة الفنية منذ اندلاع الحرب لا يمكن اختزاله في توقف العروض أو تعطل المؤسسات بل يتصل بتصدع البيئة الاجتماعية والثقافية التي يُنتج فيها الإبداع وينمو.

من فضاء الإبداع إلى جغرافيا الشتات، كان من أبرز آثار الحرب تفكيك البنية التي احتضنت النشاط الفني ولا سيما في الخرطوم التي ظلت مركزاً رئيسياً للإنتاج الموسيقي والمسرحي والتشكيلي المدن الكبرى الاخرة. فقد توقفت المؤسسات الثقافية والمسارح والاستديوهات ومراكز الإنتاج والتدريب أو لحقت بها أضرار جسيمة وفقد كثير من الفنانين مصادر دخلهم وأدوات عملهم فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان.
ولم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي للمبدعين، لكن رافقه انقطاع في العلاقات الفنية التي تتشكل عبر اللقاءات والتدريبات والبروفات والعمل الجماعي. فالإبداع في كثير من تجلياته لا يقوم على الموهبة الفردية وحدها بل يحتاج إلى بيئة حاضنة ومؤسسات وفرق ومساحات للتفاعل والتجريب والتطوير.


ويبدو أثر ذلك جلياً في تجربة الغناء الجماعي الذي يمثل أحد أبرز ملامح الموسيقى السودانية الحديثة. فقد أسهمت فرقة عقد الجلاد بقيادة مؤسسيها الاوائل في ترسيخ هذا اللون منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مستلهمةً جانباً من الموروث الجماعي في الثقافات السودانية ومقدمةً تجربة فنية تقوم على تعدد الأصوات والتناغم والهارمونية والتفاعل بين المؤدي والجمهور.


كما تمثل تجربة فرقة أور-باب التي تأسست في الخرطوم عام 1987 نموذجاً آخر لقدرة الموسيقى على احتضان التنوع الثقافي والتعبير عن قضايا النازحين والشباب قبل أن تنتقل تجربتها المؤسسية إلى جوبا عقب انفصال جنوب السودان.
غير أن الحرب أعادت طرح السؤال حول مصير هذه التجارب بعدما تفرّق أعضاؤها وتعذرت التدريبات والعروض المنتظمة. فالغناء الجماعي يحتاج إلى اجتماع الأصوات وتآلفها وهي شروط يصعب تحقيقها في واقع تفرّق فيه الفنانون بين بلدان اللجوء ومناطق النزوح.


وزادت الخسارة الإنسانية من قسوة المشهد مع رحيل عدد من المبدعين بينهم المطرب أحمد شاويش والشاعر مكاوي الشيخ الأمين. كما أشار تقرير مشترك للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام ومركز أبحاث الموسيقى السوداني، صدر في أواخر عام 2024 إلى مقتل أكثر من خمس وخمسون من العاملين في الغناء والموسيقى خلال العام الأول للحرب، لأسباب شملت العنف المباشر والاحتجاز والتعذيب وانعدام الرعاية الصحية.


وهكذا لم تفقد الساحة الفنية أماكن إنتاجها فحسب لكن خسرت أيضاً أصواتاً وخبرات وتراكمات إبداعية يصعب تعويضها في وقت قصير.

الفن ذاكرة المجتمع ومقاومته السلمية، على الرغم من هذا الانكسار لم يستسلم الفن السوداني للصمت. فقد وجد المبدعون في أدواتهم الإبداعية وسيلة لمقاومة آثار الحرب وتوثيق المأساة والدفاع عن القيم الإنسانية التي تتعرض للتآكل بفعل العنف وخطاب الكراهية.


في مجال الفن التشكيلي اتجه فنانون إلى توثيق مشاهد النزوح والدمار والفقد وتحويل التجربة الإنسانية إلى أعمال بصرية تحمل شهادات عن مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد. ومن النماذج الدالة على ذلك تجربة الفنانة التشكيلية رندا عبد المطلب يس من خلال كتابها رحلة فن ونجاة الذي يعكس جانباً من علاقة الإبداع بتجربة النجاة والتشرد ومحاولة استعادة الذات.


كما برزت مبادرة قوة الصورة التي أطلقها المصور وصانع الأفلام القدال حسن بهدف استعادة الذاكرة البصرية السودانية وإبراز ملامح المجتمع وتنوعه وربط العمل الفني بالمسؤولية الإنسانية تجاه المتضررين من الحرب. وتكتسب هذه التجربة أهميتها من نظرتها إلى الصورة بوصفها وثيقة وشهادة ووسيلة للتواصل الإنساني لا مجرد منتج جمالي مخصص للعرض.


وفي السياق ذاته ظهرت أعمال غنائية حملت رسائل واضحة لرفض الحرب والانقسام من بينها أغنية عرب وفور نعيشوا سوا وأغنية صوت الفاشر لفنان الراب أحمد مارسيلو التي عبّرت عن معاناة السكان خلال حصار المدينة. وتكشف هذه الأعمال عن قدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الضيقة وإعادة التذكير بوحدة المصير الإنساني للسودانيين.


ولم يقتصر هذا الحراك على الغناء والتشكيل لكن امتد إلى المسرح والشعر والمبادرات الثقافية، حيث سعى بعض المبدعين إلى إحياء الأنشطة الفنية في فضاءات النزوح والشتات وإقامة حوارات سودانية تتجاوز الانقسامات التي فرضتها الحرب.

بين الفن وخطاب الكراهية، من أخطر آثار الحرب أنها لم تكتف بتدمير البنية المادية للمجتمع لكن امتدت إلى علاقاته الإنسانية وأثرت في طبيعة الخطاب العام وفتحت المجال أمام الاستقطاب والتعبئة القائمة على الجغرافيا والقبيلة والانتماء السياسي. وهنا تتضاعف مسؤولية الفنان والمثقف، فالفن ليس منفصلاً عن البيئة التي يُنتج فيها ولا يمكن أن يكون محايداً تجاه معاناة الإنسان وكرامته. غير أن دوره في زمن الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتبرير العنف أو تكريس الانقسام بل إلى مساحة للدفاع عن الحياة واستعادة المشتركات الوطنية وإعلاء قيمة الإنسان بعيداً عن تصنيفه وانتمائه.


ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين الفن وثورة ديسمبر 2018 جديرة بالتأمل فقد لعبت الأغنية والشعر والفنون البصرية دوراً مؤثراً في التعبير عن تطلعات السودانيين إلى الحرية والسلام والعدالة. واليوموبعد اندلاع الحرب، تتجدد الحاجة إلى تلك الروح الإبداعية ولكن في سياق أكثر تعقيداً، يتطلب مواجهة آثار العنف وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.


فالفن الذي استطاع أن يجمع الناس حول قيم مشتركة في لحظات الثورة يستطيع أن يسهم في ترميم ما تصدع من علاقاتهم، شريطة ألا يقع أسيراً للاستقطاب السياسي أو الدعاية الحربية.

إعادة بناء الحياة الثقافية جزء من التعافي الوطني، إن الحديث عن مستقبل الفن السوداني لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفاء بالمبادرات الفردية على أهميتها، لكن يتطلب التفكير في إعادة بناء المؤسسات والفضاءات التي تحتضن الإنتاج الإبداعي.


فالمطلوب يتجاوز إقامة المعارض والحفلات والعروض الموسمية إلى وضع رؤية ثقافية تستعيد دور المسارح ودور العرض والمراكز الفنية ومعاهد الموسيقى وتدعم الفنانين الشباب وتحفظ حقوق المبدعين وتوثق الأعمال التي أُنتجت خلال الحرب. كما تبرز أهمية إنشاء أرشيف وطني رقمي يحفظ التسجيلات الموسيقية والصور والأعمال المسرحية والتشكيليةوحتى لا تضيع أجزاء من الذاكرة الثقافية تحت وطأة الدمار والنزوح.


ويستدعي ذلك أيضاً الاهتمام بالمبدعين في دول اللجوء والشتات وتوفير فرص للتواصل والتعاون بينهم وبين الفنانين داخل السودان، إلى جانب تشجيع المبادرات العابرة للحدود التي تحافظ على استمرارية الإنتاج الفني وتربط الأجيال الجديدة بتراثها الثقافي.


فالتعافي لا يكتمل بإعادة تشييد المباني والطرق وحدها، إذ يحتاج المجتمع إلى استعادة مساحاته المشتركة وإحياء ذاكرته وتجديد قدرته على التعبير عن ذاته. والثقافة في هذا السياق، ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب بل أحد الشروط الأساسية لاستعادة التماسك الاجتماعي وبناء السلام.

لقد كشفت حرب 15 أبريل عن هشاشة البيئة التي يعمل فيها الفنانون السودانيون وأظهرت حجم الخسارة التي لحقت بالمشهد الإبداعي نتيجة القتل والنزوح وتدمير المؤسسات وتفكك الفرق الفنية. لكنها في المقابل، أظهرت أن الإبداع لا يرتبط بمكان واحد وأن الأغنية والصورة والكلمة والمسرح تستطيع أن تجد طريقها حتى في أحلك الظروف.


قد تصمت المسارح وتتفرق الفرق الموسيقية وتغيب الأصوات عن فضاءاتها التي اعتادت أن تنشد فيها، لكن الذاكرة الفنية لا تموت ما دام هناك من يوثق ويغني ويرسم ويحكي. وسيظل الرهان الحقيقي هو تحويل هذا الإبداع المتناثر في المنافي ومناطق النزوح إلى مشروع ثقافي وطني يعيد الاعتبار للتنوع، ويواجه الكراهية، ويمهّد الطريق أمام مجتمع يتصالح مع نفسه.


فالسودان الذي مزقته الحرب يحتاج، إلى جانب السلام وإعادة الإعمار، إلى استعادة صوته الفني والثقافي؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما أيضاً بما تنتجه عقول أبنائها وأرواحهم من جمال ومعرفة وإبداع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى