عبدالله موسي يكتب… أغاني بنات الريف السوداني من أفراح القرى إلى وجع النزوح واللجوء

حين تحمل النازحات واللاجئات الدلوكة
أغاني بنات الريف السوداني من أفراح القرى إلى وجع النزوح واللجوء
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
في القري السودانية، كانت الدلوكة جزءاً أصيلاً من الفرح، تجتمع حولها النساء في الأعراس والحناء ومواسم الحصاد، فتتحول الكلمات والإيقاعات والتصفيق إلى ذاكرة جماعية تحفظ تفاصيل الحياة وتمنح المناسبات معناها.
لكن منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، تبدل المشهد. نزحت ملايين الأسر وتركت القرى والبيوت والحقول والأسواق وتحولت المرأة التي كانت تضرب الدلوكة في ليالي الفرح إلى نازحة ولاجئة تبحث عن الأمان والغذاء والمأوى ومستقبل أطفالها. ومع ذلك، لم تستطع الحرب أن تنتزع منها الأغنية.
خرجت الدلوكة من فضائها الطبيعي، لكنها لم تفقد وظيفتها، بل اكتسبت معنى جديداً. أصبحت تحمل الحنين إلى القرية وذكريات الأهل والجيران ومواسم الحصاد والأعراس وتحولت أغاني البنات من التعبير عن الفرح إلى وسيلة لاستعادة مكان غائب وحياة انقطعت.
فالحرب لا تدمر البيوت وحدها بل تضرب أيضاً النسيج الاجتماعي والثقافي. ومع تشتت الأسر والمجتمعات تتراجع فرص انتقال التراث الشفهي من الأمهات والجدات إلى الأجيال الجديدة. وهنا تصبح المرأة أكثر من ضحية للنزوح. إنها حارسة للذاكرة تحمل في صوتها أسماء الأماكن والحكايات والإيقاعات التي قد تختفي إذا لم تجد من يوثقها.
والأغنية في حياة النازحين واللاجئين ليست ترفاً. حين تجتمع النساء حول الدلوكة يستعدن شيئاً من الحياة الطبيعية، ويكسرن عزلة النزوح واللجؤ ويمنحن بعضهن إحساساً بالجماعة والانتماء. لذلك يمكن للثقافة أن تكون جزءاً من الصمود الاجتماعي وأن تسهم في ترميم الروابط التي مزقتها الحرب.
لكن إطالة أمد النزوح واللجوء تطرح خطراً آخر هو أن يكبر جيل جديد بعيداً عن البيئة التي نشأ فيها هذا التراث. قد يحفظ الطفل الأغنية دون أن يعرف مناسبتها، أو يردد الإيقاع دون أن يعرف حكايته، فيتحول التراث الحي تدريجياً إلى ذكرى.
لهذا يصبح توثيق أغاني البنات ضرورة وطنية. ينبغي تسجيل الأغاني بالصوت والصورة وحفظ أسماء المؤديات ومناطقهن ولهجاتهن ومناسبات الأداء ومعاني الكلمات وأنواع الإيقاع وإنشاء أرشيف رقمي يتيح للأجيال القادمة التعرف إلى هذا التراث المتنوع من دارفور وكردفان والوسط والشرق والشمال والنيل الأزرق وغيرها.
وفي بلدان اللجوء، يمكن أن تتحول الثقافة إلى جسر جديد بين السودانيين ومجتمعات الاستضافة. فالفن لا يحفظ الهوية فقط، بل يفتح مساحات للتواصل ويمنح اللاجئين فرصة لإعادة بناء مجتمعهم في بيئة جديدة. وقد تحمل أغاني المستقبل آثار هذه التجربة، فتتحدث عن النزوح واللجوء والغربة والعودة وفقد الأحبة وإعادة بناء البيوت.
وعندما تنتهي الحرب، لن يعود السودان بالضرورة إلى صورته السابقة. فقد تغيرت الأماكن والأجيال وتجارب الناس، وسيكون للمنفى والهجرة أثرهما في الثقافة السودانية. لكن هذا التغير لا يعني موت التراث، فالتراث الحي يتطور مع الإنسان ويحمل ذاكرته إلى المستقبل.
سيحتاج السودان بعد الحرب إلى إعادة بناء الطرق والمدارس والمستشفيات، لكنه سيحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الروابط والثقة والذاكرة المشتركة. وهنا يمكن للثقافة، ومن بينها أغاني البنات، أن تكون جسراً من الحرب إلى السلام، ومن النزوح واللجوء إلى العودة ومن التمزق إلى التماسك.
قد تهدم الحرب بيتاً وتفرغ قرية وتشتت أسرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تهزم الذاكرة. قد تحمل النازحة واللاجئ القليل من متاعها، لكنها تحمل في داخلها وطناً كاملاً لغةً وحكايةً وإيقاعاً وأغنية.
وحين تضرب الدلوكة من جديد، لن يكون صوتها مجرد إيقاع للفرح، سيكون إعلاناً بأن المجتمع الذي حاولت الحرب تفكيكه ما زال حياً.
فإذا كانت الحرب قد دفعت السودانيين خارج بيوتهم، فلا ينبغي أن نسمح لها بأن تدفع السودان أيضاً خارج ذاكرته، فالبيت قد يُهدم والقرية قد تُهجّر، لكن الأغنية تستطيع أن تحفظ الطريق إلى الوطن.



