فرانسيس دينق من الحديث عن الهوية إلى مشروع السلام هل يعود السودان وطناً واحداً؟

من أزمة الهوية التي انتهت بانفصال الجنوب إلى حرب 15 أبريل 2023، يظل السودان في حاجة إلى مشروع وطني يعيد بناء الوجدان المشترك ويؤسس لدولة تتسع لجميع أبنائها.
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
هناك شخصيات سودانية لا يمكن فهم مواقفها بعيداً عن تاريخ البلاد وأسئلتها الكبرى. فهي لا تقدم بالضرورة إجابات نهائية عن أزمات السودان لكنها تطرح الأسئلة الصحيحة في أوقات تطغى فيها الحسابات السياسية الضيقة على التفكير في المستقبل. ومن بين هذه الشخصيات الأستاذ الدكتور فرانسيس دينق الذي ارتبط اسمه بمحاولات فهم أزمة الهوية السودانية والبحث عن أرضية مشتركة تجمع أبناء البلاد الواحد كان بعيداً عن ثنائية الشمال والجنوب وما راكمته من تصورات متعارضة حول الانتماء والوطن. وتكتسب دعوته الأخيرة إلى جمع المنابر الإقليمية والدولية في إطار واحد لعملية سلام سودانية شاملة أهمية تتجاوز كونها مقترحاً إجرائياً لإنهاء الحرب الحالية. فهي تعيد إلى الواجهة مشروعاً فكرياً ظل حاضراً في مسيرته، يقوم على إدراك أن الحروب السودانية ليست مجرد صراعات على السلطة أو الموارد بل ترتبط أيضاً بأسئلة الهوية والمواطنة والعدالة، وبطبيعة الدولة التي ينبغي أن تجمع السودانيين.
من أزمة الهوية إلى مأزق الدولة، لم يكن انفصال جنوب السودان عام 2011 مجرد حدث سياسي أعاد رسم حدود البلاد لكنه كان تعبيراً عن تعثر مشروع بناء الدولة الوطنية الجامعة، بعد عقود من الصراعات والحروب وفشل النخب السياسية في إدارة التنوع على أساس المساواة والاعتراف المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز مساهمة دكتور فرانسيس دينق الفكرية خصوصاً في كتابه حرب الرؤى: صراع الهويات في السودان الصادر عام 1995. فقد تناول فيه جذور التباين بين التصورات العربية الإسلامية في الشمال والتصورات الأفريقية في الجنوب وكيف تحولت الاختلافات الثقافية والدينية والإثنية إلى مصادر للتنافس والإقصاء والصراع السياسي. لم ينظر دينق إلى الهوية باعتبارها انتماءً عرقياً أو دينياً ثابتاً بل رآها نتاجاً لتاريخ اجتماعي وثقافي متداخل تتشكل فيه تصورات الأفراد والجماعات عن أنفسهم وتتأثر أيضاً بالطريقة التي ينظر بها الآخرون إليهم. ومن هنا جاءت محاولته الكشف عن العناصر الأفريقية المشتركة في هوية السودانيين شمالاً وجنوباً باعتبارها إحدى القواعد الممكنة لبناء هوية وطنية تتجاوز التصنيفات المتقابلة. وكانت الفكرة الأساسية في هذا الطرح أن السودان لم يكن مضطراً إلى الاختيار بين هويتين متنازعتين بقدر ما كان بحاجة إلى الاعتراف بتعدد روافده الثقافية والحضارية وصياغة انتماء وطني يستوعب هذا التنوع من دون أن يفرض على أي مجموعة التخلي عن خصوصيتها. وإلى جانب إمكانية بناء هوية مشتركة، طرح دينق تصورات أخرى للتعايش في ظل ترتيبات اتحادية أو كونفدرالية مع إقراره بأن استمرار تعذر التسوية قد يقود إلى الانفصال. لذلك لم تكن أطروحته إنكاراً للتباينات بل محاولة للبحث عن صيغة سياسية وأخلاقية لإدارتها.
الانفصال لم يُنهِ أزمة الهوية، ربما كان الدرس الأكثر إيلاماً في تجربة انفصال الجنوب أن تقسيم الجغرافيا لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الصراع. فقد استقل جنوب السودان لكن الدولة التي بقيت في الشمال لم تنجح في حسم قضايا المواطنة والتنوع وتوزيع السلطة والثروة. كما لم يتمكن الجنوب نفسه من تجاوز أزماته الداخلية بمجرد قيام دولته المستقلة.
وهنا ينبغي التمييز بين المسؤولية التاريخية والسياسية عن انفصال الجنوب وعدم اختزالها في طرف واحد أو جماعة سياسية بعينها. فقد تراكمت أسباب الانفصال عبر عقود من الحروب والقرارات الخاطئة والإخفاقات المؤسسية وأسهمت فيها أنظمة حكم متعاقبة. غير أن سياسات نظام الإنقاذ عمّقت الأزمة ودَفعت بها إلى مراحل أكثر تعقيداً حتى انتهت البلاد إلى الاستفتاء والانفصال.
إن استدعاء تجربة الجنوب اليوم ليس دعوة إلى اجترار المرارات لكن للاستفادة من دروسها. فالسودان الذي لم يتمكن من إدارة تنوعه قبل الانفصال يواجه الآن خطر تفكك أكبر في ظل الحرب الراهنة وما أفرزته من انقسامات جغرافية وسياسية واجتماعية إلى جانب تنامي خطابات الكراهية والتعبئة على أسس إثنية وجهوية.
من حرب 15 أبريل إلى ضرورة إعادة بناء مشروع السلام، تأتي دعوة دكتور فرانسيس دينق الأخيرة في وقت تتزايد فيه تعقيدات الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بينما تتعثر المبادرات الإقليمية والدولية في الوصول إلى تسوية توقف القتال وتضع البلاد على طريق الاستقرار.
وتقوم رؤيته على ملاحظة أساسية مفادها أن تعدد المنابر لا يعني بالضرورة تعدد فرص السلام. ففي غياب التنسيق قد تتحول هذه المنابر إلى مسارات متنافسة تختلف في أولوياتها ومرجعياتها والتزاماتها. كما أن الفصل بين الترتيبات الأمنية والتسوية السياسية يجعل كل مسار رهينة لتعثر المسار الآخر.
فمستقبل القوات المسلحة والترتيبات الأمنية لا يمكن فصله عن طبيعة الدولة ونظام الحكم الذي سيُقام، كما لا يمكن حسم قضايا السلطة والعدالة والمشاركة السياسية بمعزل عن المخاوف الأمنية للأطراف المتحاربة. ومن هنا يدعو دينق إلى جمع المبادرات والمنابر في إطار واحد لعملية سلام سودانية شاملة تتناول القضايا الأمنية والسياسية المترابطة وتُلزم الأطراف بما تتوصل إليه من اتفاقات قابلة للتنفيذ والتحقق.
واللافت في هذه الرؤية تأكيدها أن المشاركة في عملية السلام لا تمنح المشاركين استحقاقاً سياسياً تلقائياً ولا تعني حصولهم على نصيب في السلطة أو ضمان مشاركتهم في الحكم. وهذه نقطة مهمة في بلد تحولت فيه اتفاقيات السلام كثيراً إلى ترتيبات لتقاسم المناصب والنفوذ بين النخب المسلحة والسياسية من دون أن تنجح بما يكفي في معالجة جذور النزاع أو بناء مؤسسات الدولة.
كما تضع الرؤية حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ووقف القتال في مقدمة الواجبات العاجلة التي لا يجوز تعليقها إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية. فحياة السودانيين وحقوقهم الإنسانية ليست أوراقاً للتفاوض ولا ينبغي أن تصبح رهينة للتوافق بين القيادات العسكرية والسياسية.
وكان دكتور فرنسيس دينق قد عرض الخطوط العريضة لهذه المقاربة في موجز سياسات نُشر في 21 أكتوبر 2026، بعنوان ما بعد المسارات المنفصلة ربط الحوار والترتيبات الأمنية والتغيير السياسي في السودان. واقترح الانتقال من المشاورات المتفرقة إلى عملية تحضيرية سودانية منظمة لحوار شامل على أن تتبعها ورقة استراتيجية موسعة.
وتتسق هذه الدعوة مع ما طرحه دكتور فرنسيس ينق والدكتور عصام الدين عباس أحمد في مقاله من التنافس إلى التكامل إعادة هندسة جهود السلام في السودان المنشور في مايو 2026 والذي تناول ضرورة تجاوز تنافس المبادرات الدولية والإقليمية وتوحيد جهود الوساطة ضمن إطار أكثر تنسيقاً وفاعلية.
وهنا هل يمكن استعادة السودان الموحد؟ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل يمكن أن تعود وحدة السودان مرة أخرى بعد انفصال الجنوب وبعد أن أدخلت الحرب الحالية البلاد في واحدة من أعقد أزماتها التاريخية؟
لا ينبغي أن تكون الإجابة أسيرة الحنين إلى خريطة السودان قبل عام 2011 ولا أن تتعامل مع الوحدة باعتبارها مجرد استعادة للحدود السابقة. فالوحدة الحقيقية ليست خطوطاً تُرسم على الخرائط ولا شعاراً سياسياً ترفعه النخب عند الحاجة لكنه عقد اجتماعي يقوم على الرضا المتبادل والمواطنة المتساوية والحقوق والواجبات المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مستقبل العلاقة بين السودان وجنوب السودان لا ينبغي أن يختزل في حديث عن الاندماج السياسي أو إعادة توحيد الدولتين. فهناك حاجة أولاً إلى بناء الثقة وتطوير علاقات التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحماية الروابط التاريخية بين الشعبين ومعالجة القضايا المشتركة وفي مقدمتها الحدود والمياه والتجارة والأمن وحركة المواطنين.
وقد تكون العودة إلى صيغة سياسية موحدة احتمالاً تاريخياً بعيد المدى لكنها ليست مستحيلة إذا توافرت إرادة شعبية حرة وتهيأت الظروف السياسية والاقتصادية والمؤسسية المناسبة في البلدين. غير أن ذلك لا يمكن أن يكون هدفاً مفروضاً من الخارج أو مشروعاً تستأثر به النخب بل خياراً طوعياً يقوم على احترام إرادة الشعبين وحقهما في تقرير مستقبلهما.
أما داخل السودان الحالي، فإن استعادة الوحدة الوطنية تبدأ بالاعتراف بأن التنوع ليس تهديداً للدولة وأن الاختلاف الثقافي والإثني والديني لا ينبغي أن يتحول إلى أساس للتمييز أو الإقصاء. فالسودانوية التي يمكن أن تجمع السودانيين ليست هوية جامدة تلغي خصوصياتهم لكنها فضاء مشترك تتفاعل داخله روافدهم المتعددة ويجد فيه كل مواطن مكانته وكرامته وحقوقه.
نحو سودانوية جديدة، إن استدعاء تجربة دكتور فرانسيس دينق اليوم يعيدنا إلى حقيقة أن مشروع بناء السودان لم يكن ينبغي أن يتوقف عند الاستقلال، كما لم يكن ينبغي أن ينتهي عند انفصال الجنوب. فالأزمة التي واجهت الدولة منذ نشأتها لم تكن أزمة حدود فحسب لكنها أزمة تصور لطبيعة الوطن ولمن يملك الحق في تعريف هويته وإدارة موارده وتحديد مستقبله.
ولعل التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم هو الانتقال من مفهوم الوحدة الذي تفرضه السلطة المركزية إلى وحدة تصنعها المواطنة ومن تعايش يقوم على تجنب الصدام إلى شراكة تقوم على الاعتراف والعدالة ومن تسويات سياسية مؤقتة إلى تأسيس مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف سلمياً.
وفي هذا الإطار، لا يمكن أن يكون إنهاء حرب 15 أبريل مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار أو توزيع جديد للسلطة بين المتحاربين. لكن ينبغي أن يشكل مدخلاً لإعادة تأسيس الدولة وبناء جيش وطني مهني واحد وإصلاح المؤسسات المدنية والعسكرية وتحقيق العدالة الانتقالية وضمان المشاركة السياسية على أساس المواطنة لا القوة المسلحة أو الامتياز التاريخي.
الأستاذ الدكتور فرانسيس دينق، إن التحية التي يستحقها مشروعك الفكري والوطني لا تختصرها عبارات التقدير، بل تتمثل في إعادة فتح النقاش حول الأسئلة التي ظلت مؤجلة منذ عقود فى من نحن كسودانيين؟ وما الذي يجمعنا؟ وكيف نبني دولة لا يشعر فيها أحد بأنه غريب أو مواطن من الدرجة الثانية؟
لقد خسر السودان جزءاً من جغرافيته بانفصال الجنوب ويواجه اليوم خطر خسارة ما تبقى من روابطه الوطنية بفعل الحرب والاستقطاب. لكن خسارة الجغرافيا لا تعني بالضرورة نهاية التاريخ، كما أن انهيار الدولة لا يعني استحالة إعادة بنائها.
فالسودان الموحد الذي يمكن أن نحلم به ليس بالضرورة السودان الذي عرفناه قبل الانفصال لكن سودان جديد يتصالح مع تعدده ويتحرر من إرث الإقصاء والاستعلاء ويؤسس علاقته بمواطنيه على الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
إن العودة إلى السودان الموحد تبدأ باستعادة الإنسان السوداني وبناء الوجدان المشترك، قبل أن تكون عودة إلى وحدة الأرض والحدود. وهذا، في تقديري هو جوهر الرسالة التي تجعل من دعوة دكتور فرانسيس دينق إلى السلام امتداداً لمشروعه الفكري القديم ومحاولة جديدة للإجابة عن سؤال السودان المؤجل كيف نكون وطناً واحداً رغم كل ما يفرقنا؟



