طريق بوابة الرقيبات

بسم الله الرحمن الرحيم
طريقٌ من وريدٍ إلى وريد… بوابة الرقيبات
!●●●●●●●●●●
ليست كل الطرق أسفلتاً يُعبَّد، ولا كل البوابات حديداً يُشرّع.
بعض الطرق تُشقّ في القلب قبل الأرض، وبعض البوابات تُفتح بالدمع قبل المفتاح.
وطريق الرقيبات… من ذاك النوع الذي وُلد من رحم الجرح، ليشفي الجرح.
كانا جسداً واحداً.
ثم جاءت السياسة بسكّينها، ففصلت الشمال عن الجنوب، وتركت الشريان مفتوحاً ينزف حنيناً.
سنواتٌ والناس على الضفتين يلوّحون لبعضهم من بعيد، كأن بينهما بحراً، وما بينهما إلا وهمٌ اسمه الحدود.
الأم هنا تسأل الريح: “هل شبع أولادي هناك؟”
والأب هناك يحدّث النجم: “هل كبرت نخيلنا هناك؟”
حتى جاءت بوابة الرقيبات… لا كمعبرٍ جمركي، بل كمعبرٍ إنساني.
جاءت لتقول: كفى.
كفى للحرب أن تأكل أبناءنا، وكفى للخرائط أن تمزّق أمعاءنا.
طريقٌ يربط، لا يفصل.
من الضعين إلى أويل، ومن نيالا إلى واو، ومن الخرطوم إلى جوبا… صار الدرب واحداً.
تمرّ به شاحنة الدقيق، فتُطعم بطنين.
ويمرّ به المريض، فيجد دواءً على الضفتين.
ويمرّ به التاجر، فيحمل مع البضاعة رسالة: “نحن أهل”.
ويمرّ به الطفل، فيكتشف أن له ابن عمٍ لم يكن يعرفه، لكن الدم يعرفه.
الرقيبات ليست نقطة تفتيش… بل نقطة تفتيش ضمير.
عندها يسقط السؤال البليد: “أنت من وين؟”
ويعلو السؤال النبيل: “أنت كيف؟”
عندها يذوب جواز السفر في حرارة العناق، وتسقط التأشيرة أمام تأشيرة الدم.
فالذي فرّقته الخنادق، تجمعه القوافل.
والذي باعدت بينه المنابر، تقرّبه الموائد.
يا له من طريق!
إنه لا يربط السودان بجنوبه فقط، بل يربط السودان بذاته.
يذكّرنا أننا كنا شعباً واحداً قبل أن نكون دولتين، وأن النيل الذي يجري من الجنوب إلى الشمال لم يستأذن أحداً، ولم يحمل جواز سفر.
يذكّرنا أن الأغنية التي تولد في بحر الغزال، تُرقص لها فتاة في كردفان دون ترجمان.
وأن الحزن الذي يسكن عيون أبيي، تفهمه عيون أبيي الأخرى… دون لغة.
فيا أيها العابرون من بوابة الرقيبات…
امشوا الهوينى.
فأنتم لا تعبرون حدوداً، بل تخيطون جرحاً.
كل خطوةٍ على هذا الأسفلت، غرزةٌ في ثوب الوطن الممزق.
كل شاحنةٍ تمر، رسالةٌ تقول: “البندقية لا تبني، والطريق يفعل”.
كل سلامٍ يُلقى هناك، هو في الحقيقة سلامٌ مع أنفسنا.
قد تقولون: “إنه طريقٌ اقتصادي”.
وأقول: بل هو طريقٌ أخلاقي.
قد تقولون: “إنه لتسهيل التجارة”.
وأقول: بل هو لتسهيل المحبة.
فما قيمة التبادل إن لم نتبادل الاعتراف؟
وما جدوى العبور إن لم نعبر إلى قلوب بعضنا؟
فيا بوابة الرقيبات…
كوني شاهدة.
اشهدي أننا تعبنا من الموت، واشتقنا للحياة.
اشهدي أننا مللنا من حمل النعوش، ونريد أن نحمل الهدايا.
اشهدي أن الطفل الذي وُلد بعد الانفصال، من حقه أن يعرف أن له وطناً أكبر من الخريطة، وأهلاً أكثر من العلم.
من هنا يبدأ التاريخ من جديد.
لا من مؤتمرات العواصم، بل من غبار هذه البوابة.
لا من توقيعات الساسة، بل من دموع الأمهات حين يلتقين بعد غياب.
فافتحوا الطريق…
افتحوه للسنابل، وللأغاني، وللضحكات المؤجلة.
افتحوه، فالوطن على الضفتين واقفٌ ينتظر.
والطريق بين السودان وجنوبه… ليس أسفلتاً. إنه وريد.
الأديب/شقيفةعقيق




