مقالات

جماليات اخري للمرأة اليوغندية في تحديها للمعاناة وتحويرها لبلوغ اهدافها – (1)

بقلم: الطاهر إسحق الدومة
aldoomaaltahir@gmail.com

جماليات اخري للمرأة اليوغندية في تحديها للمعاناة وتحويرها لبلوغ اهدافها (1)

الحديث عن المرأة اليوغندية لا يمكن اختذاله في مقال صحفي قصير يحتوي بضع مئات أو آلاف من الكلمات، بل والحق يقال لو أتيحت الفرصة لكتبنا عشرات الكتب ولصورنا مشاهد لعشرات الأفلام الوثائقية التي تحكي وتوثق تحدي المرأة اليوغندية للظروف، وكيفية تحويل معاناتها من مجرد حلم في الخيال إلى واقع حي مفعم بحب الحياة، مترع بتخطي الظروف والمتاريس التي تعيق المرأة في صون كرامتها وحفظ مكانتها في المجتمع، بالعمل الدؤوب لبلوغ احتياجاتها الشخصية والأسرية الملحة، وللوصول للرفاهية لنفسها ولأسرتها بما في ذلك زوجها أو صديق عمرها لو كان وفياً معها.

أَتاحت لنا أقدار الحرب التي تجري حاليا بالسودان أن نتعايش مع المجتمع اليوغندي الذي نبتعد عنه جغرافيا ونختلف معه ثقافياً ونتفق معه أخلاقياً وقيمياً في أن تلك هي سنة الحياة وإرادة الله أن جعلنا مختلفي الثقافات والأشكال والألوان والمناخ ولكن غصباً عنا إنسانياً وأخلاقياً وما تفرضه علينا قيم السماء وكريم المعتقدات والمعطيات الإنسانية الفكرية أن نعترف بكينونة أي مجتمع بما يعتقده والثقافة التي يعتمدها في حياته والافكار التي يسير بها نمط حياته وفقا للبيئة التي تخلق فيها …

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22]. هذه الآية لو تدبرها السودانيون بل كل من يدعي (وا اسلاماه)خاصة لجلسوا على الأرض وأوقفوا الحروب وأوصدوا كل ما يؤدي للنزاع، ولكننا بكل أسف (مبتدئون) حتى في فهم نصوص أدياننا.

أسوق كل ذلك لكشف حقيقة المرأة اليوغندية وفلسفتها في الحياة بكل بساطة في سعيها للعيش..

فيما أعتقد وصلت لقناعة حول مضمون ومغزي تحرر المرأة انه يتم من زاوية تفهم البيئة المحيطة بها ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، ومن مفترض أن تنبثق دساتير وقوانين الدولة التي تسير دولاب العمل في القطر المعني، في احترام ذاتية وخصوصية هذا الإنسان ذكراً كان أم أنثى ذلك تجسد فيما تعيشه المرأة اليوغندية اليوم.

صراحة خصوصية تموضع المرأة اليوغندية في بناء مجدها الأسري غالباً يعتمد على بذلها وعطائها الخرافي في محيط البيئة التي تعيش فيها.

هنا أتجنب التعاطي مع مفردات تحرير المرأة وحقوق المرأة وواجبات الدولة ونظرة الأديان، وأتجه مباشرة إلى فلسفة العمل والمعاناة في حياتها اليومية؛ فالمرأة اليوغندية هي في حقيقة الأمر عمود الاقتصاد الخفي، هي التي تزرع وتحصـد وتبيع في السوق وتعود آخر النهار وهي تحمل قوت يومها على رأسها، والرجل قد يكون حاضراً في المشهد لكن دولاب المعيشة الحقيقي تديره هي.

و فوق ذلك تؤمن بأن الكرامة تسبق الرفاهية، فلا تطلب المساعدة بسهولة، ، لأنها ترى في العمل حفظاً لكرامتها لا مجرد كسب. والطفل عندها ليس عبئاً يثقل كاهلها بل هو مشروع حياتها ورأس مالها الاجتماعي، لذلك تحمل طفلها على ظهرها وهي تعمل وتطبخ وتتاجر في آن واحد دون تذمر.

ومن فلسفتها العميقة أنها استبدلت الاتكالية بالتكافل، فأنشأت فيما بينها جمعيات نسائية صغيرة (Chama) يجمعن فيها المال كل أسبوع لمساعدة إحداهن، وهو درس بليغ لكافة المجتمعات البشرية خاصة الذين تقاسموا معهم المعيشة في زمن الحرب والسلم والخً
. وخلاصة الأمر أنها تصالحت مع واقعها دون أن تنكسر له، فرغم الفقر تجدها نظيفة مهندمة مبتسمة تضع الزهرة في شعرها، فهي لا تستسلم للمعاناة بل تجمّلها، وهذا هو التحدي الأكبر: أن تصنع الجمال من رحم القسوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى