ذهبُ السهلِ المنسي.. حين تُداوي جراحُ “الهشاب” أجساد العالم

بقلم: آدم حسن
على امتداد الفيافي التي تُعانق الشمس في كردفان، وفي الأحضان المترامية لأرض دارفور، لا تنبت الأشجارُ مجرد حطبٍ وظلال، بل تفرز أوردتُها دماً زكياً ينساب على جذوعها كدموعٍ ذهبية جامدة. إنه “الصمغ العربي”.. الإكسير الطبيعي الذي تحرسه أشجار “الهشاب” و”الطلح” كسرٍّ مقدس، صامدٍ في وجه الجفاف، ليغزل من صمغ الجراح شرياناً يربط شظف عيش المزارع البسيط بأرقى المختبرات وأعتى الصناعات خلف البحار.
ليس الصمغ في جغرافيتنا مجرد محصولٍ يُجمع في الصراريف؛ بل هو “عقيدةٌ بيئية” وحصنٌ حصين يصدّ زحف الصحراء العاتي، ليظل الحزامُ الأخضرُ حارساً للتربة وشاهداً على كرم الأرض ورسوخها. هو رزقُ الملايين ممن يصحون مع الفجر، يغازلون جذوع الشجر بأيدٍ أضناها التعب، ليتلقفوا قطراتِ الذهب المعقود التي ستجوب العالم طولاً وعرضاً.
حين يلج هذا الصمغُ أروقةَ العالم الحديث، يخلع رداءه القروي البسيط ليرتدي مئزر الطب والحكمة؛ فهو المكونُ السحريّ الذي لا تُفشي أسرارَه كبرى شركات الأدوية وأغلفةُ العقاقير. بخصائصه التي تعلو على التأويل، ينسابُ كـ “مُعالجٍ خفي” داخل الأمعاء، يُغذي البكتيريا النافعة ويرمم بيئة الجهاز الهضمي، بل ويتسطر اسمه بحروفٍ من أمل في أبحاث الفشل الكلوي والسكري، كأليافٍ نادرة تُخفف عن الجسد أعباءه، ناهيك عن كونه “الروح الخفية” التي تمنح المشروبات والحلويات العالمية قوامها واستقرارها.
غير أن هذا العرشَ المذهب لم تسلم تيجانه من الشوك.
فالواقع المظلم يلقي بظلاله على الحزام الأخضر؛ حيث تترصد القطع الجائر للأشجار، والنزاعات المسلحة التي تقطع أوصال سبل العيش، وتخنقُ سلاسل الإمداد، لتبدد أحياناً عرق الزارع في دروب التهريب، وتترك السوق المحلي ينزف قيمته المضافة لصالح وسائط وأسواقٍ غربية تأخذ المادة الخام لتعيد بيعها بأضعاف أثمانها.
ولكن، من رحم التحديات تولد فرص من ذهب لحكومة السلام؛ فمتى استتب الأمن، أشرقت شمس مرحلة جديدة تقف فيها الدولة على أعتاب طفرة اقتصادية لا تخطر على بال. إن إرساء دعائم السلام يفتح الباب أمام استثمارات سيادية ذكية تحول الصمغ من مادة خام تُببخس أثمانها إلى “صناعة تصديرية كبرى” ذات قيمة مضافة مضاعفة. إن تأسيس مصانع محلية للتنقية، والطحن الدقيق، واستخلاص المكونات الصيدلانية سيفتح المئات من آلاف فرص العمل المستدامة للشباب، ويدمج المجتمعات المحلية في دورة الاقتصاد الحقيقي.
إنها فرصة ذهبية تتيح لخزينة الدولة جني أرباح خيالية وغير متوقعة، حين تتحول بورصات الإنتاج في كردفان ودارفور إلى مراكز تحكم عالمية للأسعار، وحين تتوج جهود السلام بإيرادات دولارية ضخمة تعيد بناء البنى التحتية وتمول التنمية المستدامة.
إن الصمغ العربي في دارفور وكردفان ليس مجرد سلعةٍ تُباع وتُشترى في بورصات العالم؛ بل هو حكاية هُوية، وثروة قومية تنتظر من ينتشلها بحكمة السلام من بؤرة “التصدير البدائي” إلى رحاب “التصنيع المعرفي”. إنها دعوةٌ لأن ندرك قيمة ما تنضحه جراحُ أشجارنا، قبل أن يجف النبع في أيدينا، بينما يرتوي منه العالم أجمع.




