شرشار… عندما يصبح المدنيون وقوداً للحرب

كتبت : جيلان شريف
في كل الحروب، يكون المدنيون هم الخاسر الأكبر، لكن ما يشهده السودان اليوم يثير تساؤلات تتجاوز أرقام الضحايا إلى طبيعة الحرب نفسها. فمع استمرار القتال، تتكرر التقارير عن سقوط مدنيين في مناطق مأهولة بالسكان، في مشهد يعكس اتساع دائرة المعاناة الإنسانية ويطرح تساؤلات ملحة حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وتلقت صحيفة تأسيس معلومات أولية من مصادر محلية تفيد بأن غارات جوية استهدفت منطقة شرشار بولاية شمال كردفان في 29 يوليو 2026، وأسفرت بحسب تلك المصادر عن مقتل ما لا يقل عن 26 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب ورود معلومات مؤكده عن اعتداءات جنسية على فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و14 عاماً. ولا تزال الحث مستمر لمعرفه الأحصاءات النهائيه ، فيما تواصل الصحيفة جمع الأدلة والتأكد من تفاصيل ومعلومات اوفر عن الواقعة.
وهذه الاعتداءات لا تمثل مجرد حادثة عابرة في سياق الحرب، بل قد تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين ويُلزم جميع أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم. كما أن العنف الجنسي أثناء النزاعات المسلحة يُعد من أخطر الجرائم التي تستوجب تحقيقاً ومساءلة.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ارتفاع أعداد الضحايا، بل اعتياد العالم على سماع أخبار المجازر والانتهاكات دون أن يقابلها تحرك يوازي حجم المأساة. فكل تأخير في التحقيق والمحاسبة يبعث برسالة خاطئة مفادها أن حياة المدنيين أقل قيمة، وأن الإفلات من العقاب ما زال ممكناً.
كما أن استمرار الهجمات على المناطق المأهولة، إن ثبتت مسؤولية أي طرف عنها، يهدد بتوسيع دائرة النزوح، ويزيد من هشاشة المجتمعات المحلية، ويقوض فرص التعايش وإعادة بناء الثقة بين السودانيين. فالحروب لا تنتهي عند توقف إطلاق النار، بل تستمر آثارها لسنوات طويلة في ذاكرة الضحايا والمجتمعات.
إن العدالة ليست مطلباً سياسياً، بل حق للضحايا، وضمانة لعدم تكرار الانتهاكات. ولذلك، فإن إجراء تحقيق مستقل ومحايد وشفاف في أحداث شرشار، وضمان وصول فرق تقصي الحقائق والمساعدات الإنسانية إلى المنطقة، يمثلان اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية المدنيين وإنفاذ القانون.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كم من المدنيين يجب أن يسقطوا قبل أن تتحول الإدانات إلى أفعال، والتقارير إلى مساءلة، والوعود إلى حماية حقيقية؟ إن السودان لا يحتاج إلى بيانات جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة جادة توقف نزيف الدم، وتعيد الاعتبار لكرامة الإنسان، وتؤسس لسلام يقوم على العدالة والمحاسبة، لا على الإفلات من العقاب.




