المستشفيات التي لا تعرف أسماء الموتى (23)

كتب : حسين سعد
في الخرطوم، لم تعد المستشفيات مجرد أماكن للعلاج، بل تحولت خلال الحرب إلى نقاط يلتقي فيها الألم بالصمت، والنجاة بالغموض، والموت بدون أسم ، يصل البعض محمولًا على أكتاف غرباء، أو في عربات مرتجلة، أو بعد ساعات من إصابة في طريق غير مكتمل. لكن ليس كل من يصل يمكن التعرف عليه، وليس كل من يغادر المستشفى يخرج باسمه، في هذه الحرب، لم يعد السؤال فقط: من نجا؟ بل أيضًا: من دخل ولم يُعرف من هو؟
الأسماء التي تسقط عند الباب:
في إحدي المستشفيات بالخرطوم، يروي أحد العاملين (رفض ذكر اسمه)
كنا نستقبل حالات كثيرة في وقت واحد. مصابين من مناطق مختلفة. في زحمة العمل، ما في وقت لتسجيل دقيق، ويضيف : البعض يصل للمستشفي فاقد للوعي ، وليس معه أوراق ثبوتية ، أحيانا نسجلهم كمجهول.
في بعض الحالات، يصل الأشخاص إلى المستشفى وقد فارقوا الحياة بالفعل.
أحد المتطوعين يقول: هنالك جثامين بدون تعريف ، مافي بطاقات ، ولا أسماء ، وهنا يبدأ فصل آخر من الفقد: الدفن دون معرفة، في بعض المستشفيات، توجد دفاتر تسجيل، لكنها غير موحدة ، أسماء مكتوبة بخط يد متعجل ، تواريخ غير دقيقة، حالات بدون تفاصيل ، أرقام بلا سياق، بين المفقود والمجهول في كل مستشفى تقريبًا، توجد حالتان، مفقود في نظر أسرته، مجهول في نظر المستشفى، لكن لا يوجد نظام يربط بين الاثنين، خلال الحرب، لم تعد المستشفيات أماكن استقرار،بل هنالك حالات نقل مفاجئ للمرضى، إخلاء بسبب القتال، نقص في الكوادر، انقطاع كهرباء ومياه، ضغط يفوق القدرة، في هذا السياق، يصبح كل شيء مؤقتًا، بما في ذلك الهوية
جرح مفتوح :
وفي شبكة اعلاميات : كتبت عازة محمد تقرير بتاريخ 13 اغسطس 2025م تحت عنوان ( المختفون قسراً في حرب السودان .. جرح مفتوح لآلاف يبتلعهم الغياب)
عاد وليد بعد اختفاء قسري دام لأكثر من عامين منذ بداية حرب السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع .
عاد .. ولكنه لم يعد كما كان، لم يتعرف على طفلته وأسرته. عاد تائها ولا يعرف سوى ترديد عبارات الاستغاثة من التعذيب. ظهر وليد في كشوفات المعتقلين الذين تم تحريرهم بعد استعادة الجيش السوداني لمدينة الخرطوم. لم يتعرف عليه أهله بسبب تغير ملامحه وإصابته بسوء التغذية، كحال جميع المختفين قسراً. بصعوبة تعرفت الأسرة على ملامح إبنها في مستشفى الشرطة بربك، وسط المئات من الناجين الذين لا يدركون حتى أسماءهم وعناوين أسرهم، ليتمكن مقدمو الخدمة من التواصل مع أسرهم .
وليد من المحظوظين (القلائل)، الذين نجوا من ويلات التعذيب والضرب والحرمان من الأكل والشرب داخل معتقلات الدعم السريع. فيما ظلت الكثير من الأسر تواصل البحث عن من فقد من أفرادها بلا جدوي . فما زالت أسرة الأستاذ عبد الحليم تطرق الأبواب للبحث عن ابنها المعلم، الذي تجاوز العامين معتقلاً لدى الدعم السريع بسبب اتهام باطل بالانتماء للاستخبارات العسكرية التابعة للجيش. وبالرغم من إثبات أسرة عبد الحليم لبراءته من ذلك الاتهام وتأكيد إختفائه، إلا أنهم لا يعلمون عن مكانه شيئا. يسألون كل من أطلق سراحه من المعتقلات، وتضاربت الروايات حول رؤيته بين معتقلات الرياض وسوبا وجبل أولياء. تعلقت آمال أسرته في العثور عليه بين الناجين بعد دخول القوات المسلحة الخرطوم، لكن تضآلت تلك الآمال بعد عدم ظهوره ومعرفتهم بأن قوات الدعم السريع قامت باستخدام جزء كبير من المختفين قسراً كدروع بشرية لضمان خروجهم من الخرطوم . ويزيد من معاناة الأسرة وقوعها في شباك السماسرة، مستغلين لهفتها في البحث عن مفقودها سبيلاً للتكسب وجني المال، متعرضين للابتزاز والمطالبة بمبالغ مالية ضخمة مقابل اطلاق سراحه ثم يختفون.
. المختفين قسراً بالآلاف
وبالرغم من الأعداد الكبيرة للمختفين قسرياً منذ بدء الحرب فى العام 2023، إلا أن من تم الوصول إليهم لا يساوي 10% من مجموعهم، ليظل مصير الآلاف مجهولاً . المدافع الحقوقي أمير سليمان من المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، أشار إلى حديث سابق لخبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان رضوان نويصر، الذي قال فيه إن عدد حالات المختفين قسرياً أكثر من (3177)، منها (500) حالة للنساء و(300) حالة للأطفال. وتابع: “وفي تقارير أخرى يفوق العدد 50 ألف شخص ”
ويقول أمير : إن حرب السودان أظهرت أنماطاً جديدة من الاختفاء القسري لآلاف المدنيين” .
وشدد على ضرورة الاهتمام الكبير بقضية الإخفاء القسري في السودان، لتحقيق العدالة لآلاف العائلات التي فقدت أفرادها
أنماط جديدة للإخفاء بعد الحرب
وأشار المدافع الحقوقي شوقي يعقوب خلال حديثه في ورشة المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام حول بناء استراتيجية وطنية لمناهضة الاختفاء القسري، إلى أنهم في المركز الأفريقي مهتمون بقضية الاختفاء القسري منذ ما قبل الحرب، ولديهم أنشطة عديدة تم تنفيذها في ذات الاتجاه. وأضاف : ” جمعنا أسر الضحايا في مجموعات وطالبنا الحكومة بالكشف عن مصير المفقودين”.
وتابع : “نمط الاختفاء القسري مختلف ما بعد الحرب ”
. مبيناً أن حالات الاختفاء القسري الحالية تشارك فيها الحكومة والمجموعات المسلحة التابعة لها في مناطق سيطرة الحكومة، إضافة لحالات الاختفاء القسري للمدنيين في مناطق سيطرة الدعم السريع. وذكر بعض الحالات يطالب فيها بفدية مالية فلكية لإطلاق سراح الضحية
وقال شوقي إن قوات الدعم السريع تركت خلفها في العاصمة الخرطوم عشرات المعتقلات السرية بعد أن حولت المنازل والمرافق الحكومية إلى مقار أمنية وعسكرية.
كما رصدت تقارير عن اعتقال أشخاص بواسطة القوة المشتركة في الفاشر. وقال شوقي يعقوب: “هناك حالات للاختفاء القسري في ولاية الجزيرة ومدينة سنجة لحظة سيطرة الدعم السريع عليها منتصف العام الماضي، ولا يزال مصيرالمختفين مجهولاً، بينهم أطفال ونساء ”
. وقدر عدد الحالات في سنجة بنحو ثلاثة آلاف حالة
وقال عضو المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري عثمان بصري إن الذين تمت تصفيتهم داخل معتقلات الدعم السريع كثيرون، لكن لم يتم التوثق إلا لحالتين، إذ وثقت الحالة الأولى لمختفين قسراً تم إجبارهم على العمل وقتلوا في قصف الطيران .
والحالة الثانية لمواطن اعتقل وقتل وتم دفنه في ساحة المعتقل”.
وأشار إلى أنه تم فتح بلاغ بالحالة الثانية في مواجهة متهمين في ولاية البحر الأحمر، وكشف عن صعوبة الوصول لأهل الضحايا بسبب الوضع الحالي .
وتتهم منظمة هيومن رايتس ووتش القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بتصفية أشخاص أثناء احتجازهم دون محاكمة، وبتعذيبهم وإساءة معاملتهم، والتمثيل بجثثهم، وهو ما يمثل جرائم حرب. وحثت قادة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على أن يأمروا بوقف هذه الانتهاكات فوراً وإجراء تحقيقات فعّالة والتعاون مع المحققين الدوليين، خاصة “بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان”، التي سيشمل نطاق تحقيقاتها هذه الانتهاكات التي تشكل جرائم حرب.
الخاتمة الحواجز والارتكازات
عندما يفقد الإنسان اسمه في المستشفيات خلال الحرب، لا يفقد الناس حياتهم فقط… بل يفقدون أسمائهم أحيانًا، وهذا ما يجعل الفقد أكثر تعقيدًا من الموت نفسه، الموت واضح… لكن “المجهول” يترك الباب مفتوحًا على كل الاحتمالات، لكن المستشفيات ليست سوى محطة واحدة في هذه السلسلة الطويلة، فما يحدث خارجها لا يقل قسوة… وربما أكثر غموضًا.
في الحلقة القادمة…
سنذهب إلى الحواجز ونقاط الاختفاء… حيث لا يصل الناس إلى المستشفى أصلًا، بل يختفون قبل ذلك بكثير (يتبع)




