محمود عبدالعزيز مشروع ثقافي واجتماعي تجاوز حدود الفن

محمود عبدالعزيز مشروع ثقافي واجتماعي تجاوز حدود الفن
هل اصبح غناء الحوت يمثل ذاكرة الوطن؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
كيف صنع محمود عبد العزيز الحوت مشروعًا فنيًا تجاوز حدود الطرب إلى تشكيل وجدان الأجيال الحاضر والقادمة؟
في تاريخ الغناء السوداني، هناك فنانون يخلدهم جمال أصواتهم، وآخرون يخلدهم ما أحدثوه من أثر في مسيرة الموسيقى، لكن قلة قليلة استطاعت أن تتحول إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية تتجاوز حدود الفن نفسه. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم محمود عبد العزيز، أو كما عرفه جمهوره بـالحوت، بوصفه تجربة غنائية استثنائية لا تزال حاضرة في الوجدان الشعب السوداني، رغم مرور سنوات على رحيله.
لقد رحل محمود عبد العزيز جسدًا لكن مشروعه الفني لم يرحل. فما زالت أغانيه تتردد في البيوت والسيارات والمقاهي والجامعات وفي مناسبات الافرتح والاحزان على السواء. وهذا الحضور المستمر لا يمكن تفسيره بالحنين وحده، بل يكشف عن تجربة فنية نجحت في بناء علاقة وجدانية عميقة مع جمهورها، حتى أصبح صوت الحوت جزءًا من الذاكرة الجمعية للسودانيين.
وهنا يبرز السؤال الذي شغل النقاد والباحثين في الموسيقى ما الذي جعل محمود عبد العزيز يظل حاضرًا بهذه القوة؟ وهل كان لمجرد مطرب محبوب أم صاحب مشروع فني ترك أثرًا حقيقيًا في تتطور الأغنية السودانية؟
وهل الغناء عند الحوت هو مشروع إنساني قبل أن يكون مشروعًا موسيقيًا، يرى كثير من النقاد أن محمود عبد العزيز لم يتعامل مع الأغنية بوصفها وسيلة للترفيه لكن بوصفها وسيلة للتعبير عن الإنسان. ولذلك جاءت أعماله قريبة من نبض الحياة اليومية، تتحدث عن الحب والحنين والفراق والوفاء بلغة يفهمها الجميع، دون تعقيد أو تكلف.
ولم يكن مشروعه قائمًا على استعراض الإمكانات الصوتية أو البحث عن الألحان المركبة وإنما على الصدق في الأداء. وهذه البساطة الواعية كانت سرًا من أسرار نجاحه، لأن الجمهور غالبًا ما يتأثر بما يشعر بصدقه أكثر مما ينبهر بما يراه معقدًا.
ويؤكد عدد من المحللين الموسيقيين أن الحوت أعاد الاعتبار إلى قيمة الأداء الوجداني، حيث تتحول الأغنية إلى حالة شعورية يعيشها الفنان قبل أن ينقلها إلى المستمع. ولذلك لم يكن يغني الكلمات بل كان يمنحها حياة جديدة من خلال نبرات صوته وطريقة تنفسه وإحساسه العميق بكل جملة موسيقية.
هل تخدم النزعة التطريبية المعنى؟، يخطئ من يظن أن التطريب لا يكون إلا باستعراض القدرات الصوتية أو الإكثار من الارتجال. فقد قدم محمود عبد العزيز نموذجًا مختلفًا للتطريب، يقوم على خدمة المعنى لا على استعراض المهارة. كان يكرر الجملة الغنائية لكنه يغير إحساسها في كل مرة ويمنح الكلمة الواحدة أكثر من لون شعوري فتارة تبدو شوقًا وتارة تصبح حسرة ثم تتحول إلى أمل. وهكذا يصبح التطريب وسيلة لتعميق المعنى لا غاية في حد ذاته.
ويرى مختصون في النقد الموسيقي أن هذه القدرة على إعادة تشكيل الجملة اللحنية دون الإخلال ببنيتها كانت من أبرز خصائص مدرسة الحوت وجعلت أغانيه تبدو متجددة في كل أداء حي.
الصوت الذي يروي ولا يستعرض، لم يكن محمود عبد العزيز من أصحاب الأصوات التي تعتمد على القوة وحدها بل امتلك خامة صوتية دافئة ذات شخصية واضحة استطاعت أن تمنحه هوية فنية يصعب تقليدها.
وكان يفضل الاقتصاد في استخدام طاقته الصوتية فلا يرفع صوته إلا عندما يقتضي المعنى ذلك ولا يطيل في المدود إلا إذا كانت تخدم البناء الدرامي للأغنية. وهذا الانضباط جعل أداءه يبدو طبيعيًا بعيدًا عن التكلف أو المبالغة.
وقد أشار بعض النقاد إلى أن سر تأثيره لا يكمن في المساحة الصوتية بل في قدرته على توظيف الصمت والهمس والانفعال وهي عناصر لا تقل أهمية عن النغم نفسه في بناء التجربة الموسيقية.
الحوت في عيون النقاد هو مدرسة لا نسخة من أحد. تتباين آراء النقاد حول موقع محمود عبد العزيز في خارطة الغناء السوداني لكنهم يتفقون على أنه لم يكن مجرد امتداد لمن سبقوه. فهو لم يسلك طريق محمد وردي في الأغنية الوطنية ذات البناء الأوركسترالي، ولم يذهب إلى التعقيد اللحني الذي اشتهر به محمد الأمين ولم يجعل القصيدة الحديثة محور مشروعه كما فعل مصطفى سيد أحمد بل اختار طريقًا خاصًا يقوم على إعادة الاعتبار للعلاقة المباشرة بين الفنان والمستمع.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن أهم ما قدمه الحوت هو بناء مدرسة في الأداء أكثر من بناء مدرسة في التلحين. فقد أصبح أسلوبه في الإلقاء الغنائي والتعامل مع النص والتفاعل مع الجمهور مصدر إلهام لجيل كامل من المطربين الشباب.
وفي المقابل، يشير بعض النقاد إلى أن تجربته رغم نجاحها الكبير لم تخلُ من تفاوت في مستوى بعض الأعمال وأن شعبيته الواسعة ربما حجبت أحيانًا تجارب أخرى تستحق الاهتمام. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة مشروعه بل تؤكد أنه أصبح ظاهرة تستحق الدراسة والنقاش.
الجمهور هو الشريك الحقيقي في المشروع الحوت، من الصعب فهم تجربة محمود عبد العزيز بعيدًا عن جمهوره.
فالعلاقة بين الطرفين لم تكن علاقة مطرب بمستمعين لكنها علاقة وجدانية قائمة على الثقة والمحبة. كان جمهوره يحفظ أغانيه عن ظهر قلب ويشارك في غنائها داخل الحفلات حتى بدا وكأن المسرح يمتد إلى كل مقعد في القاعة.
وقد ساهم هذا التفاعل في ترسيخ مكانته، لأن الجمهور لم يكن يتلقى الأغنية بل كان يعيشها ويعيد إنتاجها في ذاكرته وحياته اليومية.
مشروع الحوت يتجاوز حدود الفن، لقد أثبتت تجربة الحوت أن الأغنية يمكن أن تكون أكثر من لحن جميل وأن الفنان يستطيع أن يكون جزءًا من تكوين الوجدان الجمعي إذا امتلك الصدق واحترم جمهوره، وأخلص لفنه.
ولهذا فإن مشروع محمود عبد العزيز لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية الأغنيات وحدها، بل من زاوية أثره في الذائقة الموسيقية، وفي الثقافة الشعبية، وفي إعادة تعريف العلاقة بين الفنان وجمهوره. إنه مشروع يؤكد أن الفن الحقيقي لا يعيش لأنه الأكثر تعقيدًا لكن لأنه الأكثر قدرة على ملامسة الإنسان.
ربما يختلف النقاد حول تصنيف محمود عبد العزيز الحون بين كبار الفنانين وحول حجم إسهامه في تطوير الموسيقى السودانية لكنهم يكادون يتفقون على حقيقة واحدة وهي أن الرجل استطاع أن يترك أثرًا لا يمكن تجاهله.
لقد جعل من الغناء مساحة للمحبة ومن الصوت جسرًا بين القلوب ومن الأغنية لغة يفهمها الجميع دون شرح أو تفسير. ولذلك بقي حيًا في وجدان الناس لا لأن الزمن توقف عنده بل لأن فنه استطاع أن يتجاوز الزمن نفسه.
وهكذا، سيظل الحوت واحدًا من أبرز أعلام الغناء السوداني الحديثوليس فقط لأنه غنى للحب بل لأنه غنى بصدق والصدق هو القيمة الفنية الوحيدة التي لا تشيخ ولا تفقد قدرتها على الوصول إلى القلوب مهما تعاقبت الأجيال.




