مقالات

الثقافة معول بناء الدول: لماذا تبدأ نهضة الدول الخارجة من الحروب من العقل قبل السلطة؟

الثقافة معول بناء الدول
لماذا تبدأ نهضة الدول الخارجة من الحروب من العقل قبل السلطة؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث في قضايا التنمية والفكر والسياسات العامة

ليست الحروب وحدها هي التي تهدم الدول بل إن ما تتركه في العقول أخطر مما تتركه في المباني. فإعادة بناء الجسور والطرق والمطارات قد تستغرق سنوات أما إعادة بناء الإنسان فتحتاج إلى مشروع ثقافي وفكري طويل النفس يعيد تعريف معنى الوطن ويغرس قيم المواطنة ويجعل الاختلاف مصدر قوة لا سبباً للصراع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون اليوم ليس هو من يحكم السودان؟ وإنما بأي ثقافة وبأي فكر وبأي مشروع وطني سيُحكم السودان؟
فكل تجربة دولية ناجحة في الخروج من الحروب أثبتت أن الثقافة كانت نقطة البداية والسياسة جاءت لاحقاً وبينما يبدأ الفشل عندما تتقدم السلطة على الفكرة ويتقدم الصراع على بناء الإنسان.
الثقافة ليست فناً فقط، يظن كثيرون أن الثقافة تعني الشعر والغناء والمسرح والكتب لكنها في حقيقتها أوسع من ذلك بكثير. فهي منظومة القيم التي تحدد كيف يفكر المجتمع وكيف يحل خلافاته وكيف ينظر إلى الدولة والقانون والعمل والإنتاج.
الثقافة هي التي تجعل المواطن يحترم المال العام ويؤمن بأن اختلاف الرأي لا يفسد الانتماء للوطن وأن التنوع القبلي أو الجهوي أو الديني مصدر ثراء لا سبب للعداء.
وعندما تنهار هذه الثقافة تصبح البنادق أعلى صوتاً من الحوار وتتحول السياسة إلى صراع على النفوذ بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة المواطنين.
فالمشروع السياسي لا يولد في غرف السياسة وحدها، التاريخ يعلمنا أن المشاريع السياسية الكبرى لم تبدأ داخل القصور الحكومية وإنما بدأت داخل الجامعات ومراكز البحث والمدارس والمنتديات الفكرية والصحف.
فالفكرة تسبق القرار والثقافة تصنع الوعي والوعي يصنع السياسة.
ولهذا فإن أي حكومة مهما امتلكت من القوة العسكرية أو النفوذ السياسي لن تستطيع بناء دولة مستقرة إذا لم تستند إلى مشروع فكري وثقافي يجمع الناس حول رؤية وطنية واحدة.


السودان اليوم فيه تعدد الحكومات ووحدة من التحديات ويعيش اليوم واقعاً سياسياً معقداً في ظل وجود حكومة الأمر الواقع في بورتسودان وحكومة “السلام تأسيس” فى نيالا التي تطرح نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً مختلفاً. ورغم اختلاف الرؤى والمواقف بين الطرفين فإن التحدي الأكبر لا يتمثل في مجرد تشكيل الحكومات وإنما في قدرتهما على تقديم مشروع وطني يعالج جذور الأزمة السودانية لا مظاهرها فقط.


فالشعب السوداني لم يعد يبحث عن تغيير الأسماء لكنه يريد تغيير طريقة إدارة الدولة وإقامة مؤسسات قوية وتحقيق العدالة وتوفير الأمن وإعادة الاقتصاد إلى مساره الطبيعي.
الحقيقة لا اقتصاد بلا ثقافة إنتاج، كثير من الناس يربطون النهضة الاقتصادية بالأموال والاستثمارات فقط لكن الحقيقة أن الاقتصاد يبدأ من الثقافة.


فالمجتمع الذي يحترم العمل وينبذ الفساد ويقدر الكفاءة والإبداع يكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية.
أما المجتمع الذي تسوده المحسوبية والولاءات الضيقة فإن موارده مهما كانت كبيرة تتحول إلى مصدر للصراع بدلاً من أن تكون مصدر رفاه.
ولذلك فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ بإصلاح الإنسان وإعادة بناء منظومة القيم التي تجعل الإنتاج مسؤولية وطنية والعمل شرفاً والمال العام أمانة.

من هنا هل نستطيع تحويل التنوع السوداني من أزمة إلى فرصة للنجاح فى بناء الدولة؟
ويملك السودان واحداً من أغنى التنوعات الثقافية في إفريقيا والعالم العربي.


فهو يضم عشرات القوميات ومئات المجموعات الثقافية واللغوية وتاريخاً حضارياً عريقاً يمتد لآلاف السنين. لكن هذا التنوع استُخدم في كثير من المراحل بوصفه وسيلة للاستقطاب السياسي وبينما كان ينبغي أن يكون أساساً لبناء دولة حديثة تتسع للجميع. إن الدولة القوية لا تلغي التنوع وإنما تديره بعدالة وتحوله إلى مصدر للإبداع والتنمية والوحدة الوطنية.


ان التعليم والإعلام هما حجر الأساس، لا يمكن لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أن ينجح إذا بقي التعليم والإعلام أسيرين للصراع. فالمدرسة ينبغي أن تربي جيلاً يؤمن بالمواطنة ويحترم القانون ويقدر العلم والعمل. كما يجب أن يتحول الإعلام من منصة للتحريض والانقسام إلى منصة للحوار ونشر المعرفة وتعزيز ثقافة السلام. فالحروب تبدأ بالكلمة لكنها أيضاً تنتهي بالكلمة عندما تكون الكلمة صادقة ومسؤولة.


ماذا تحتاج حكومة السلام نيالا وتحتاج حكومة الامل بورتسودان؟
سواء كانت الحكومة الامل في بورتسودان أو في مدينة نيالا وسواء حملت اسم حكومة السلام او”تأسيس” فإن نجاحها لن يقاس بالشعارات وإنما بما تحققه للمواطن.
المواطن يريد الأمن والخدمات والتعليم والعلاج وفرص العمل والعدالة ودولة تحترم القانون.


كما أن أي مشروع سياسي يحتاج إلى الاعتراف بأن السودان لا يمكن أن يُدار بعقلية الإقصاء أو الاحتكار وإنما بالشراكة الوطنية واحترام التنوع والاستفادة من الكفاءات وتقديم المصلحة العامة على المصالح الحزبية والجهوية.


ان الثقافة هى الطريق الأقصر إلى السلام، والسلام ليس مجرد توقيع اتفاق سياسي بل هو ثقافة يومية يتعلمها الناس في الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة ووسائل الإعلام.


وعندما تصبح قيم التسامح والعدالة والاحترام جزءاً من حياة المجتمع يصبح اللجوء إلى السلاح استثناءً لا قاعدة. أما إذا بقيت ثقافة الكراهية والثأر والإقصاء فإن أي اتفاق سياسي سيظل هشاً وقابلاً للانهيار.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، لن يحسمها السلاح وحده ولا البيانات السياسية ولا تبدل الحكومات وإنما سيحسمها المشروع الثقافي الذي يعيد بناء الإنسان السوداني قبل إعادة بناء مؤسسات الدولة.


فالثقافة ليست ترفاً فكرياً بل هي الأساس الذي تُبنى عليه السياسة الرشيدة والاقتصاد المنتج والدولة العادلة. وكل حكومة تسعى إلى قيادة السودان نحو المستقبل أياً كان اسمها أو موقعها لن تحقق الاستقرار الحقيقي ما لم تجعل الثقافة مرجعيتها الأولى والإنسان غايتها الكبرى والوطن جامعاً لكل أبنائه دون تمييز أو إقصاء.


فالدول تُبنى بالأفكار قبل الأبنية وبالثقافة قبل السلطة وبالمواطن الواعي قبل المسؤول وعليه عندما تنتصر الثقافة سينتصر الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى