في وداع د.الهادي محمد إبراهيم .. رجل انحاز للمزارعين في زمن الخراب

كمبالا | النور عبدالله محمدين خاطر – السبت 9 مايو 2026
لم يكن الدكتور الهادي محمد إبراهيم مجرد مسؤول سابق مر على مؤسسات الدولة في حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ثم غادرها مثل غيره من المسؤولين بل كان رجل من طراز نادر ظل يحمل هم الناس أينما ذهب ويضع قضية الوطن فوق كل اعتبار حتى في أكثر اللحظات ظلمة وانهيار في تاريخ السودان الحديث.
وفي زمن الحرب والخراب حين انشغل كثيرون بالاصطفافات والنجاة الفردية اختار الراحل مع رفضه القاطع لدعم الحرب أن ينحاز للمزارعين للفقراء وللناس البسطاء الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة المجاعة والنزوح والانهيار الكامل لمؤسسات الدولة عقب اندلاع حرب الجنرالين العبثية في منتصف أبريل 2023م.
أكتب هذه الكلمات لا باعتباري ناقلا لسيرة رجل راحل فحسب بل كشاهد على مرحلة عصيبة وشاهد على رجل كان يتحرك وسط الناس بعقل الخبير وقلب الإنسان.
بعد أن دفعتنا الحرب للنزوح للمرة الاولي من الخرطوم إلى بيوت اسرنا الكبيرة في منطقة الجزيرة أبا كانت الصورة قاتمة إلى حد مخيف حيث وجدنا الأسواق منهكة – سلاسل الإمداد متوقفة – المشاريع الزراعية متعثرة – والمزارعون يواجهون مصير مجهول وبينما اتحاد المزارعين الذي يتولي زمام امره عناصر النظام المباد يقف حجر عثرة امام كل ماهو فيه نفع للمزارعين وسط غياب الدولة وانعدام التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج. كان الجميع يدرك أن البلاد تتجه نحو كارثة غذائية حقيقية لكن قلة فقط كانت تتحرك لإيقاف الانهيار.
في ذلك الوقت كانت مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض التي تضم علماء وخبراء من ابناء الولاية الخلص ومن مؤسسيها في مقدمتهم علي سبيل المثال من بينهم الخبير الوطني في الشراكة بين القطاعين العام والخاص د.محمد عبدالرحمن ضوى ووزير الزراعة السابقة بالنيل الأبيض أ/ السمحة أحمد عبد الكريم – بروف عبدالعزيز كرم الله – عبدالباسط سليمان مزارع بشبشة – الدكتور الهادي محمد إبراهيم وشقيقه يوسف محمد ابراهيم واخرون .. من أوائل الذين قرأوا المشهد بوعي عميق وأدركوا أن الحرب لن تكون عابرة وأن النجاة لن تأتي عبر الشعارات السياسية ولا عبر بيانات الإدانة بل عبر حماية الإنتاج الزراعي ودعم المزارعين وتمكين المجتمعات من الصمود. وقتها فتحت لهم شركة سودان بايل مكاتب استراحتها في مدينة كوستي لاستضافة جميع أنشطة المبادرة الرامية الي تقديم خدمة للمزارعين.
وبالمقابل كانت المبادرة لم تمتلك سلطة تنفيذية ولا ميزانية دولة ولا دعم رسمي لكنها امتلكت ما هو أعظم : الإحساس بالمسؤولية الوطنية.
لم يكن الهادي محمد إبراهيم ومن معه في مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض يتحدثون من برج عاجي ولا يكتفون بالتنظير من خلف المكاتب المكيفة بل نزل معهم بنفسه إلى القرى والمشاريع الزراعية متنقلين بين المزارعين في ولاية النيل الأبيض حاملين معهم هم المواسم الزراعية وكأن القضية تخصهم وحدهم.
رأيته بعيني مع مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض وسط المزارعين في “مشروع الملاحة – شيكان – المرابيع – اولاد ناصر – ام فورة – الشوال” وفي لقاءات مشروع أم هاني في كوستي يتحدث معهم بلغة العارف بأوجاعهم لا بلغة المسؤول المتعالي. كان يناقش تفاصيل الطلمبات والترع والتمويل والجمعيات الزراعية ويتابع مشاكل “الطمي” وتعطل البيارات واحتياجات الوقود والصيانة وكأنه مهندس ميداني لا وزير سابق.
كان يدرك أن الزراعة في تلك اللحظة ليست مجرد نشاط اقتصادي بل معركة بقاء.
والأهم من ذلك أن الرجل لم يكن يبحث عن منصب ولا مكسب ولا ظهور إعلامي. كثيرون لا يعلمون أن الدكتور الهادي ومن معه في مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض كانو يقطعون من قوت يومهم لدعم بعض الأنشطة المرتبطة بالمزارعين ويساهمون بما يستطيعو في تحريك المبادرات دون ضجيج أو انتظار مقابل. كانو يؤمنون أن الوقوف مع الناس في زمن الانهيار واجب أخلاقي قبل أن يكون عملاً عاماً.
وسط العراقيل الكثيرة التي واجهت المواسم الزراعية من ضعف التمويل وتعطيل المشاريع وغياب الإرادة الرسمية ظل الراحل يتحرك مع مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض بإصرار نادر. كانو يحاولون جمع الناس حول فكرة العمل الجماعي ويشجعو المزارعين على تأسيس الجمعيات الزراعية حتى يتمكنوا من الوصول إلى التمويل والمؤسسات الداعمة. وكان الراحل يردد دائماً أن مستقبل السودان الحقيقي يبدأ من الأرض والإنتاج.
ولكن المؤسف كانت هناك جهات تعمل بصمت على تعطيل كل محاولة جادة لإنقاذ الموسم الزراعي الأمر الذي أفضى لاحقاً إلى خروج مواسم زراعية كاملة في مناطق الجزيرة أبا والنيل الأبيض في وقت كانت البلاد أحوج ما تكون فيه إلى الإنتاج والغذاء والاستقرار.
ورغم ذلك لم يفقد الدكتور الهادي إيمانه بالناس ولا بالأرض.
كان يرى في المزارعين خط الدفاع الأخير عن السودان.
وكان يدرك أن الحرب لا تهزم فقط بالسياسة والسلاح بل تهزم أيضاً بالإنتاج وبقدرة الناس على البقاء والصمود.
لقد كان الراحل ومن معه في مبادرة تنمية موارد ولاية النيل الأبيض من القلة التي فهمت مبكراً أن معركة السودان القادمة ستكون معركة اقتصاد وغذاء وتنمية لا مجرد صراع بنادق.
رحل الدكتور الهادي محمد إبراهيم لكن سيرته ستبقى شاهدة على رجل اختار الانحياز للوطن الحقيقي لا وطن الشعارات. انحاز للتراب والمزارعين والناس البسطاء في وقت تخلى فيه كثيرون عن مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية.
برحيله لا يفقد السودان خبير اقتصادي فقط بل يفقد ضمير وطني نادر ورجل ظل مؤمناً بأن خدمة الناس هي المعنى الحقيقي للمناصب والمعرفة والحياة.
رحل من كان يحمل هم المزارعين في قلب الحرب ويبحث عن حلول وسط الركام ويؤمن بأن الأرض يمكن أن تنقذ ما أفسدته السياسة والبنادق.
رحل الدكتور الهادي محمد إبراهيم لكن أثره سيبقى في ذاكرة المزارعين الذين وجدوه بينهم حين غابت الجهات المسؤولة عن القيام بواجبها في وطن أنهكته الحرب ونهيق “البلابسة” لكنه لا يزال يحتفظ بأسماء الرجال الذين وقفوا إلى جانبه في زمن الخراب.
رحم الله الدكتور الهادي محمد إبراهيم رحمة واسعة وجعل ما قدمه لأهله ووطنه في ميزان حسناته وألهم السودان الصبر على فقده.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
كمبالا | النور عبدالله محمدين خاطر – السبت 9 مايو 2026




