رياضة

مونديال ٢٠٢٦ بين الإبداع والحظ والتقنية والجمهور من يستحق مقاعد ربع نهائي؟ (١-١)

مانديال ٢٠٢٦ بين الإبداع والحظ والتقنية والجمهور من يستحق مقاعد ربع نهائي؟ (١-١)
عندما تتحدث كرة القدم بلغة الموهبة والانضباط ويظل الحظ مجرد ضيف عابر

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث

منذ انطلاق بطولة كأس العالم 2026. والعالم يعيش على إيقاعات كرة القدم بكل ما تحمله من دهشة ومتعة ومفاجآت. فالمونديال ليس مجرد بطولة لتحديد بطل العالم بل هو مسرح عالمي تتقاطع فيه المدارس الكروية وتتنافس فيه الفلسفات الفنية وتختبر فيه قوة العقل قبل المهارة والانضباط قبل الموهبة والإرادة قبل الأسماء.


ومع اكتمال جزء من عقد المتأهلين إلى الدور ربع النهائي وفي مقدمتهم المغرب وفرنسا والنرويج وإنجلترا عاد الجدل التقليدي إلى الواجهة هل كان التأهل ثمرة استحقاق فني خالص؟ أم أن الحظ لعب دورًا حاسمًا في رسم ملامح هذا الدور؟ وهل تصدق المقولة الشعبية “قيراط حظ خير من قنطار اجتهاد”


أم أن كرة القدم الحديثة أصبحت أقل خضوعًا للحظ وأكثر خضوعًا للعلم والتخطيط؟
فالإجابة ليست بسيطة أن كرة القدم لم تعد لعبة تعتمد على الموهبة وحدها ولا على التاريخ وحده ولا حتى على الحظ وحده وإنما أصبحت نتاج منظومة متكاملة تجمع بين الإدارة والعلوم الرياضية والتحليل الرقمي والإعداد البدني والذهني والتكنولوجيا الحديثة.


لقد أثبت المنتخب المغربي مرة أخرى أن ما حققه في السنوات الأخيرة ليس صدفة عابرة. فالمنتخب المغربي لم يعد يعتمد فقط على الحماس والروح القتالية لكنه أصبح يقدم كرة قدم منظمة تجمع بين الانضباط الدفاعي والانتقال السريع إلى الهجوم مع قدرة واضحة على استثمار أنصاف الفرص. وأصبح يمتلك شخصية المنتخب الكبير الذي يدخل كل مباراة وهو مؤمن بأنه قادر على هزيمة أي منافس مهما كان اسمه أو تاريخه.


أما المنتخب الفرنسي فقد أكد أنه لا يزال أحد أعمدة كرة القدم العالمية. فهو يمتلك عمقًا كبيرًا في قائمة لاعبيه وخبرة متراكمة في إدارة المباريات الكبرى ومدرسة كروية قادرة على إنتاج النجوم بصورة مستمرة. ولم يكن وصوله إلى ربع النهائي مفاجأة لكنه نتيجة طبيعية لاستقرار فني وإداري يمتد لسنوات طويلة.


ومن أكثر المنتخبات التي استوقفت المتابعين المنتخب النرويجي الذي أثبت أن الاستثمار طويل المدى في الفئات السنية وتطوير البنية التحتية وصناعة اللاعبين وفق أسس علمية قادر على نقل أي منتخب من دائرة المشاركة إلى دائرة المنافسة الحقيقية. ولم يعد اسم النرويج غريبًا على الأدوار المتقدمة بعد أن نجحت في الجمع بين القوة البدنية والانضباط التكتيكي والمهارة الفردية.


أما المنتخب الإنجليزي فقد واصل رحلة البحث عن اللقب العالمي الذي طال انتظاره. ورغم الانتقادات التي تطال أداءه في بعض الفترات فإنه يمتلك واحدة من أغنى المدارس الكروية بالمواهب إضافة إلى دوري يعد من أقوى دوريات العالم وهو ما يمنحه دائمًا فرصة المنافسة على أعلى المستويات.


ويبقى السؤال هل الحظ كان حاضرًا؟
الإجابة نعم. ولكن بحدود. فالحظ قد يمنح فريقًا ركلة جزاء أو ينقذ مرماه من كرة ارتدت من القائم أو يضعه في مسار أقل صعوبة لكنه لا يستطيع أن يصنع منتخبًا يبلغ الأدوار النهائية باستمرار. فالمنتخبات الكبرى لا تتكرر إنجازاتها بالحظ وإنما بالعمل المتواصل.
ولو كان الحظ وحده كافيًا لما رأينا منتخبات عملاقة تودع البطولة مبكرًا كالبرازيل والمانيا رغم امتلاكها أشهر اللاعبين ولما استمرت منتخبات أخرى في الوصول المتكرر إلى المراحل النهائية.


لقد تغيرت كرة القدم كثيرًا خلال العقدين الأخيرين وأصبح للتكنولوجيا دور محوري في تحقيق العدالة داخل الملعب. فحكم الفيديو المساعد (VAR) وتقنية خط المرمى وأنظمة التتبع والتحليل الرقمي أسهمت في تقليل الأخطاء التحكيمية التي كانت تحرم فرقًا من حقوقها أو تمنح أخرى أفضلية غير مستحقة.


ورغم أن الجدل لم يختف تمامًا. فإن التقنية جعلت نتائج المباريات أقرب إلى العدالة من أي وقت مضى وأصبح الفوز يحتاج إلى تفوق حقيقي أكثر من اعتماده على أخطاء الحكام.
غير أن كرة القدم ليست معادلات رقمية فقط بل هي أيضًا لعبة المشاعر. وهنا يأتي الدور العظيم للجمهور الذي ظل عبر التاريخ اللاعب رقم اثني عشر. فالهتافات والأعلام والألوان والأناشيد والطاقة التي يضخها المشجعون في المدرجات كثيرًا ما تغير مجرى المباريات وترفع معنويات اللاعبين وتربك المنافس.
ولذلك لم يكن من قبيل المبالغة وصف الجمهور بأنه ملح البطولة وفاكهتها. فهو الذي يمنح المباريات روحها ويحول التسعين دقيقة إلى احتفال إنساني عالمي تتجاوز رسالته حدود الرياضة.


أما من الناحية التاريخية فإن بعض المنتخبات تحمل إرثًا إبداعيًا عريقًا مثل فرنسا وإنجلترا اللتين أسهمتا في تطوير اللعبة وأنتجتا أجيالًا متعاقبة من النجوم. وفي المقابل يكتب المنتخب المغربي صفحة جديدة في تاريخ الكرة والأفريقية والعربية. وبينما تؤكد النرويج أن التاريخ ليس قدرًا ثابتًا وأن المجد يُصنع بالعمل لا بالأسماء.


وهذا هو أجمل ما في كأس العالم فهو لا يمنح الامتيازات للتاريخ ولا يعاقب الطموح لكنه يفتح الباب أمام كل من يستعد جيدًا ويؤمن بقدراته.
إن الوصول إلى ربع النهائي لا يأتي مصادفة بل هو حصيلة سنوات من التخطيط والاستثمار في الإنسان وتطوير الأكاديميات والاهتمام بالعلوم الرياضية والاحتراف الإداري وبناء ثقافة الفوز.


ويبقى الطريق إلى اللقب أكثر صعوبة لأن الفوارق بين المنتخبات المتبقية أصبحت ضئيلة للغاية وأي خطأ صغير قد يكتب نهاية حلم كبير.
وفي النهاية فإن مونديال 2026 يبعث برسالة واضحة إلى عالم كرة القدم وهى لم يعد التاريخ وحده يصنع الانتصارات ولم يعد الحظ وحده يحدد الأبطال. فمن يجمع بين الإبداع والانضباطووالموهبة والعلم والجماعية والروح القتالية هو الأقدر على صناعة المجد.


وعندما يُسدل الستار على البطولة قد ينسى الناس كثيرًا من النتائج لكنهم لن ينسوا المنتخب الذي أمتعهم ولا اللاعب الذي ألهمهم ولا الجمهور الذي صنع لوحة إنسانية بديعة في المدرجات. فذلك هو الإرث الحقيقي لكأس العالم حيث يبقى الإبداع خالدًا بينما يمر الحظ مرور السحاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى