وهل أخفق المنتخب المصري في إدارة حلمه؟

مونديال ٢٠٢٦ بين الإبداع والحظ والتقنية والجمهور من يستحق مقاعد ربع نهائي؟ (٢-٢)
عندما تتحدث كرة القدم بلغة الموهبة والانضباط
هل كان صعود الرباعي المكمل للمونديال مستحقًا؟ وهل أخفق المنتخب المصري في إدارة حلمه؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
بعد اكتمال عقد المنتخبات المتأهلة إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم 2026 بصعود النرويج وإنجلترا وسويسرا والأرجنتين، لم يعد الجدل يدور حول هوية المتأهلين فحسب وإنما حول الطريقة التي وصلوا بها وما إذا كانت البطولة قد دخلت بالفعل مرحلة لا مكان فيها إلا للمنتخبات الأكثر قدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة.
لقد أثار تأهل الأرجنتين على حساب المنتخب المصري عاصفة من النقاشات ليس لأن الفارق الفني كان كبيرًا بل لأن المنتخب المصري قدم واحدة من أفضل مبارياته في البطولة ونجح في فرض شخصيته فى اللقاء خلال فترات طويلة بل وتقدم في النتيجة وأربك بطل العالم. غير أن كرة القدم الحديثة لا تُحسم فقط بجودة البداية وإنما بالقدرة على الحفاظ على النسق الذهني والبدني حتى صافرة النهاية.
لماذا خسر المنتخب المصري؟
من وجهة نظر فنية لم يخسر المنتخب المصري بسبب نقص الموهبة لكنه بسبب تراجع الأداء في الثلث الأخير من المباراة وهو أمر يتكرر مع كثير من المنتخبات التي تبذل جهداً بدنياً كبيراً في البداية دون القدرة على المحافظة على استمرار بنفس الإيقاع.
يمكن تلخيص أسباب التراجع في عدة عوامل منها
أولاً، الانخفاض البدني الذي منح المنافس مساحات أكبر للاستحواذ وبناء الهجمات.
ثانياً، التراجع الدفاعي المبالغ فيه بعد التقدم وهو ما سمح للأرجنتين بالسيطرة على وسط الملعب.
ثالثاً، محدودية دكة البدلاء مقارنة بالمنتخبات الكبرى إذ تمتلك الأرجنتين لاعبين قادرين على تغيير إيقاع المباراة فور دخولهم.
رابعاً، الخبرة الكبيرة في إدارة المباريات الحاسمة وهي ميزة لا تُكتسب إلا بتكرار الوجود في الأدوار المتقدمة.
خامساً، بعض الأخطاء الفردية في التمركز والرقابة والتي استغلها المنافس بكفاءة عالية.
ومع ذلك فإن الخروج لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن المنتخب المصري قدم بطولة جيدة وأثبت أنه قادر على منافسة كبار العالم عندما تتوافر له المنظومة الفنية والإدارية المناسبة.
والأرجنتين لم تنتصر لأنها امتلكت أسماءً أكبر فقط وإنما لأنها لعبت بعقلية البطل. فعندما تأخرت في النتيجة لم تتعجل لكنها حافظت على توازنها ورفعت نسق الضغط تدريجياً حتى استعادت زمام المباراة.
وهذه السمة تميز بها المنتخبات البطلة فهي لا تفقد هدوءها تحت الضغط وتعرف كيف تستثمر أخطاء المنافس في اللحظات الحاسمة.
واصل المنتخب النرويجي كتابة واحدة من أجمل قصص البطولة مؤكداً أن الاستثمار في الفئات السنية وتطوير البنية التحتية والاعتماد على العلوم الرياضية يمكن أن ينقل أي منتخب من هامش المنافسة إلى قلبها. ولم يعد نجاح النرويج مفاجأة بل أصبح دليلاً على أن التخطيط بعيد المدى يتفوق في النهاية على الحلول المؤقتة.
وأما المنتخب الإنجليزي، فقد بدا أكثر نضجاً من النسخ السابقة. فالفريق يجمع بين المهارة الفردية والانضباط التكتيكي والقدرة على التحكم في إيقاع المباريات مستفيداً من قوة الدوري المحلي وتطور الأكاديميات.
ويبقى السؤال هل حان الوقت ليكسر الإنجليز انتظارهم الطويل ويعودوا إلى منصة التتويج؟
والمنتخب السويسري قدم درساً جديداً في قيمة وقمة التنظيم. فقد أثبت أن الانضباط الجماعي والالتزام التكتيكي يمكن أن يعوضا الفوارق الفردية وأن الفريق المنظم قادر على مقارعة المنتخبات صاحبة التاريخ الكبير.
ربع النهائي، فى هذه المرحلة تختلف كرة القدم تماماً. فالفوارق الفنية تصبح ضئيلة ويصبح التركيز الذهني وإدارة التفاصيل والقدرة على استثمار الفرص عوامل أكثر حسماً من الاستحواذ أو السيطرة الشكلية.
ولهذا كثيراً ما توصف مباريات ربع النهائي بأنها بطولة مستقلة داخل البطولة.
المغرب وفرنسا نهائي مبكر، إذا كانت هناك مباراة تستحق وصف “النهائي المبكر”، فهي المواجهة المرتقبة بين المغرب وفرنسا.
فالمغرب يدخل اللقاء بثقة اكتسبها من سنوات من العمل المؤسسي ومن نجاحه في ترسيخ شخصية تنافسية على الساحة العالمية مع منظومة دفاعية قوية وانتقالات هجومية سريعة وروح جماعية عالية.
أما فرنسا فتدخل المباراة بخبرة متراكمة ووفرة في الخيارات وقدرة على إدارة المباريات الكبرى وهو ما يجعلها من أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب.
قد لا تكون هذه المباراة هي النهائي الرسمي، لكنها تحمل كل عناصره الجودة الفنية والنجوم والخبرة والضغط الجماهيري والتكافؤ النسبي في الفرص.
هل انتهى دور الحظ؟، كلما تقدمت البطولة تراجع تأثير الحظ وارتفعت قيمة الجودة.
ففي دور المجموعات قد تؤثر قرعة أو هدف عكسي أو قرار تحكيمي في مصير منتخب أما في الأدوار الإقصائية المتقدمة فإن الفرق التي تستمر هي غالباً تلك التي تمتلك مشروعاً فنياً متكاملاً وجهازاً تدريبياً كفؤاً ولاعبين قادرين على التعامل مع الضغط.
الحظ قد يمنح فرصة لكنه لا يصنع بطلاً للعالم.
فماذا تعلمنا من مونديال 2026؟، أثبتت البطولة أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة متكاملة تقوم على البيانات والتحليل الرقمي والإعداد البدني والتغذية والطب الرياضي وعلم النفس والإدارة الاحترافية إلى جانب الموهبة. وكما أكدت أن المنتخبات التي تستثمر في الإنسان منذ المراحل السنية المبكرة هي التي تحصد الثمار في البطولات الكبرى.
إن اكتمال عقد ربع النهائي يؤكد أن الطريق إلى منصة التتويج لم يعد حكراً على أصحاب التاريخ ولا مفتوحاً أمام من يعتمد على الحظ. إنه طريق يحتاج إلى مشروع وإدارة وانضباط وإبداع وقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في أصعب اللحظات.
وبالنسبة للمنتخب المصري فإن الخروج أمام الأرجنتين قد يكون مؤلماً لكنه يحمل دروساً مهمة. فبالأداء أكد أن الفجوة مع كبار العالم ليست مستحيلة وأن الاستثمار في تطوير اللاعبين وإعدادهم بدنياً وذهنياً وتعزيز عمق التشكيلة يمكن أن يحول المنافسة المشرفة إلى انتصارات مستحقة في المستقبل.
أما مباراة المغرب وفرنسا فإنها تبدو بالفعل أقرب إلى نهائي مبكر لأنها تجمع بين منتخبين يملكان كل مقومات المنافسة على اللقب. والفائز منها لن يحقق مجرد بطاقة عبور إلى نصف النهائي بل سيرسل رسالة واضحة إلى بقية المنافسين بأنه يمتلك مشروع البطل وأن المجد في كرة القدم الحديثة لا يُصنع بالصدفة بل بالعلم، والعمل، والاستمرارية.




