العالم ينتظر حرب الأعماق الصامتةالمسيرات والكابلات البحرية في ظل التنافس الأمريكي الإيراني

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
عندما أصبح قاع البحر مختبراً للمستقبل فلم يعد التقدم العلمي مجرد سباق نحو الفضاء أو الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة الكمية بل امتد اليوم إلى أعماق البحار حيث تتشكل جبهة جديدة من جبهات القوة العالمية. ففي الوقت الذي تتسارع فيه الابتكارات في مجال المركبات البحرية غير المأهولة والأنظمة الذاتية الذكية أصبحت المحيطات والبحار تحمل بين طياتها معركة مختلفة لا تُرى بالعين المجردة لكنها قد تكون من أكثر المعارك تأثيراً في الاقتصاد والأمن العالميين.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الكابلات البحرية تلك الشبكة العملاقة الممتدة في اعماق وقيعان البحار والمحيطات والتي تنقل معظم بيانات العالم واتصالاته المالية والتجارية والعسكرية. ومع تصاعد التوترات الدولية وتزايد الاعتماد على الاقتصاد الرقمي برزت المسيرات البحرية بوصفها أداة تكنولوجية جديدة لحماية هذه الشرايين الحيوية فاتحةً الباب أمام سباق استراتيجي قد يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين.
الكابلات البحرية هى البنية التحتية الخفية للعالم
رغم الضجيج الإعلامي المصاحب للأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات الفضائية فإن العمود الفقري الحقيقي للإنترنت العالمي ما زال يستقر في أعماق البحار. فالكابلات البحرية تنقل الغالبية العظمى من حركة البيانات العالمية وتربط البورصات العالمية بالمصارف والشركات العملاقة ومراكز البيانات والحكومات.
ومن هنا اكتسبت هذه الكابلات أهمية استراتيجية غير مسبوقة إذ لم تعد مجرد بنية تحتية للاتصالات لكنها تحولت إلى أحد مكونات الأمن القومي للدول الكبرى.
لقد أدركت القوى العظمى أن تعطيل عدد محدود من الكابلات البحرية في مواقع استراتيجية قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق ويؤثر على الأسواق المالية وسلاسل الإمداد والتجارة الإلكترونية وأنظمة القيادة العسكرية.
المسيرات البحرية تعتبر الحارس الجديد لأعماق البحار
التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار البحري أتاح ظهور جيل جديد من المركبات البحرية غير المأهولة القادرة على العمل لفترات طويلة في البيئات البحرية المعقدة.
هذه الأنظمة لا تقوم فقط بالمراقبة لكن تستطيع رسم خرائط لقاع البحر وتتعقب الأجسام الغريبة ومراقبة الأنشطة المشبوهة حول الكابلات البحرية وخطوط الطاقة والمنشآت البحرية الحساسة.
ويرى خبراء الأمن البحري أن المسيرات البحرية تمثل نقلة نوعية تشبه التحول الذي أحدثته الطائرات المسيّرة في الحروب البرية خلال العقدين الماضيين. فبدلاً من الاعتماد الكامل على السفن الحربية المكلفة أصبح بالإمكان نشر أسراب من المركبات الذاتية القادرة على تغطية مساحات شاسعة بكلفة أقل وفعالية أعلى.
الخليج العربي يمثل نقطة اتقاء التكنولوجيا والجغرافيا السياسية فى المستقبل وبحر البلطيق يمثل اليوم مختبراً أوروبياً لحماية البنية التحتية البحرية فإن الخليج العربي يمثل النموذج الأكثر حساسية وتعقيداً على المستوى العالمي.
فالمنطقة تحتضن أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة الدولية كما تشكل عقدة رئيسية لعدد من الكابلات البحرية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وفي ظل التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران أصبحت حماية البنية التحتية البحرية جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية للطرفين.
فمن منظور استراتيجي تدرك واشنطن أن أي تهديد للكابلات البحرية أو الممرات البحرية الحيوية قد يؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى مصالحها الأمنية في المنطقة.
وفي المقابل تنظر طهران إلى التكنولوجيا البحرية غير المأهولة باعتبارها وسيلة لتعزيز قدراتها الدفاعية غير التقليدية في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.
فالحرب غير المرئية بين واشنطن وطهران
على الرغم من أن المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لم تصل إلى مرحلة الحرب الشاملة فإن المنطقة تشهد منذ سنوات نمطاً جديداً من الصراع يعتمد على الردع المتبادل والحروب الرمادية.
ويشير عدد من الخبراء الاستراتيجيين إلى أن الكابلات البحرية قد تصبح في المستقبل جزءاً من أدوات الضغط المتبادل بين القوى المتنافسة تماماً كما أصبحت الهجمات السيبرانية وسيلة معروفة في النزاعات الحديثة.
ففي عالم يعتمد على البيانات أكثر من اعتماده على النفط في بعض القطاعات قد يؤدي تعطيل الاتصالات الرقمية إلى تأثيرات اقتصادية وسياسية تتجاوز تأثير بعض العمليات العسكرية التقليدية.
ولهذا السبب تتجه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الاستثمار بكثافة في أنظمة المراقبة البحرية الذكية والمسيرات الغاطسة القادرة على تأمين البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر.
ورؤية الخبراء سباقة نحو “السيادة الرقمية البحرية”
ويرى عدد متزايد من الباحثين في الدراسات الاستراتيجية أن العالم يتجه نحو مفهوم جديد يمكن تسميته بـ”السيادة الرقمية البحرية”.
هذا المفهوم لا يقتصر على امتلاك الكابلات البحرية أو تشغيلها لكن يشمل القدرة على مراقبتها وحمايتها وصيانتها وضمان استمرار عملها في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق أصبحت الدول تتنافس على تطوير تقنيات الاستشعار تحت الماء والذكاء الاصطناعي البحري والطاقة الذاتية للمركبات غير المأهولة.
ويعتقد بعض الخبراء أن العقد القادم سيشهد إنشاء شبكات مراقبة بحرية عالمية تعمل بصورة متواصلة عبر مسيرات ذكية ومجسات ثابتة وأقمار صناعية وأنظمة تحليل بيانات متقدمة بحيث يصبح قاع البحر فضاءً مراقباً بصورة شبه دائمة.
الآثار المحتملة على المنطقة والعالم إذا نجحت هذه التقنيات في إثبات فعاليتها فإنها قد تساهم في تعزيز أمن البنية التحتية البحرية وتقليل مخاطر التخريب والحوادث المتعمدة.
لكن في المقابل فإن انتشار هذه الأنظمة قد يؤدي إلى سباق تسلح تكنولوجي جديد في البحار خصوصاً في المناطق المتوترة مثل الخليج العربي وبحر الصين الجنوبي والبحر الأسود.
كما أن التوسع في استخدام الأنظمة الذاتية يثير أسئلة قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بالسيادة البحرية وحرية الملاحة وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في البيئات العسكرية.
وقد نجد اىعالم نفسه خلال السنوات القادمة أمام واقع جديد تصبح فيه السيطرة على تدفقات البيانات البحرية عنصراً لا يقل أهمية عن السيطرة على الموانئ أو حقول النفط أو الممرات الاستراتيجية.
ان مستقبل يُبنى في الأعماق قبل سنوات قليلة كانت فكرة أن تقوم مركبات ذاتية ذكية بحراسة الكابلات البحرية تبدو أقرب إلى روايات الخيال العلمي. أما اليوم فإنها تتحول تدريجياً إلى أحد أكثر مجالات الابتكار العسكري والتكنولوجي تطوراً في العالم.
إن التقدم العلمي المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات البحرية والطاقة والاستشعار عن بعد لا يعيد تعريف مفهوم الأمن البحري فحسب لكن يعيد صياغة العلاقة بين التكنولوجيا والسيادة والقوة في العصر الرقمي.
وفي عالم أصبحت فيه البيانات المورد الأكثر قيمة قد لا تكون المعارك الحاسمة في المستقبل فوق سطح الأرض أو في الفضاء بل في تلك الأعماق الصامتة التي تمتد فيها الكابلات البحرية حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية ويتشكل فصل جديد من تاريخ التنافس بين الشعوب والأمم.



