المعادن الإستراتيجية والأمن القومي: هل يصبح نحاس أرياب ورقة قوة للسودان في عالم يتغير؟

شرق السودان أرياب بين ثروة النحاس واختبار الحوكمة (٤-٤)
المعادن الإستراتيجية والأمن القومي: هل يصبح نحاس أرياب ورقة قوة للسودان في عالم يتغير؟
مركز الاستدامة للتنمية الاستِنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
تغيّرت معادلات القوة في القرن الحادي والعشرين. فبعد أن كان النفط هو العامل الحاسم في رسم السياسات الدولية لعقود طويلة، بدأت معادن مثل النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة تفرض نفسها بوصفها موارد إستراتيجية لا غنى عنها للاقتصاد العالمي.
ولم يعد التنافس الدولي يدور حول امتلاك هذه الموارد فحسب، بل حول ضمان الوصول إليها وتأمين سلاسل إمدادها. وفي هذا المشهد العالمي الجديد، يجد السودان نفسه أمام فرصة نادرة إذا ما أحسن إدارة موارده المعدنية وفي مقدمتها ما يُعتقد أنه احتياطي واعد من النحاس في منطقة أرياب.
غير أن تحويل هذه الثروة إلى مصدر للقوة يتطلب أكثر من استخراج المعدن إنه يحتاج إلى رؤية وطنية تعتبر الموارد الطبيعية جزءاً من منظومة الأمن القومي.
الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط، أصبح مفهوم الأمن القومي اليوم أكثر شمولاً. فهو لا يقتصر على حماية الحدود أو بناء الجيوش لكنه يشمل الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الطاقوي والأمن الرقمي.
وفي هذا السياق، تكتسب المعادن الإستراتيجية أهمية خاصة لأنها تدخل في الصناعات الدفاعية والطاقة والاتصالات والتقنيات المتقدمة وهو ما يجعل السيطرة عليها أو إدارتها بكفاءة جزءاً من قوة الدولة الشاملة.
النحاس يظل معدن الثورة الصناعية الجديدة، يعتمد العالم على النحاس في تشغيل شبكات الكهرباء وتصنيع السيارات الكهربائية ومحطات الطاقة الشمسية والرياح ومراكز البيانات والبنية التحتية للاتصالات. ومع توسع الاقتصاد الرقمي يزداد الطلب على النحاس بصورة مطردة بينما تواجه الأسواق تحديات تتعلق بزيادة الإنتاج واكتشاف احتياطيات جديدة. وهذا الواقع يمنح الدول المالكة لاحتياطيات كبيرة فرصة لتعزيز مكانتها الاقتصادية شريطة أن تدير مواردها بمنظور إستراتيجي بعيد المدى.
السودان بين الموقع والثروة، يمتلك السودان ميزتين متكاملتين الأولى موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية العالمية والثانية تنوع موارده المعدنية. وإذا أضيفت إلى ذلك شبكة نقل حديثة وموانئ متطورة واستقرار تشريعي فإن السودان يستطيع أن يتحول إلى مركز إقليمي لتصدير المعادن والصناعات المرتبطة بها.
غير أن هذه الإمكانات تظل رهينة بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وإدارة مواردها بشفافية وكفاءة.
المعادن والسيادة الوطنية، إن امتلاك الموارد لا يعني تلقائياً امتلاك القرار. فالسيادة الاقتصادية تتحقق عندما تستطيع الدولة تحديد شروط استغلال مواردها وتوجيه عائداتها لخدمة التنمية مع الحفاظ على حقها في مراجعة السياسات بما يتوافق مع المصلحة العامة والقانون. ولذلك فإن العقود الواضحة والمؤسسات الرقابية والالتزام بالقواعد الدستورية، كلها عناصر تعزز السيادة وتمنح المستثمرين في الوقت نفسه الثقة في استقرار بيئة الأعمال.
السودان من تصدير الخام إلى بناء الاقتصاد، الرهان الحقيقي ليس في استخراج النحاس فقط بل في بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من التعدين ثم المعالجة ثم التصنيع وصولاً إلى المنتجات النهائية.
فعندما تتحول الموارد إلى صناعات تتحول معها فرص العمل وتنمو الخبرات الوطنية وتزداد الصادرات ذات القيمة المضافة ويتراجع الاعتماد على تصدير المواد الخام. وهذه هي المعادلة التي نقلت دولاً عديدة من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يعتمد على المعرفة والصناعة.
الاستثمار يحتاج إلى الثقة، لا يمكن لأي مشروع تعدين ضخم أن ينجح في بيئة يغيب عنها الاستقرار المؤسسي أو الشفافية. فالمستثمر يبحث عن قوانين واضحة وقضاء مستقل وإجراءات مستقرة وكما يبحث المواطن عن ضمانات تؤكد أن ثروات بلاده ستنعكس على حياته اليومية. ومن هنا فإن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والمستثمر يعد أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع إستراتيجي.
أرياب تصبح فرصة لإعادة بناء الاقتصاد، إذا أُديرت موارد أرياب وفق رؤية وطنية فإنها قد تسهم في تمويل إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة ودعم التعليم والبحث العلمي وتوسيع فرص العمل خاصة في شرق السودان.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أن تكون التنمية المحلية جزءاً أصيلاً من أي مشروع تعديني بحيث تستفيد المجتمعات القريبة من المشروع من الخدمات والوظائف والتدريب والاستثمارات الاجتماعية.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها المعادن الإستراتيجية جزءاً من معادلات النفوذ الدولي.
وبالنسبة للسودان فإن أرياب ليست مجرد مشروع تعدين بل قد تمثل اختباراً لقدرة الدولة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية وسيادة وطنية وتنمية مستدامة.
فالفرصة لا تكمن في ما يختزنه باطن الأرض وحده وإنما في القرارات التي تُتخذ فوق الأرض. وإذا استطاع السودان أن يبني مؤسسات قوية ويعزز الشفافية ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الآنية فإن النحاس لن يكون مجرد معدن يُصدَّر إلى الأسواق العالمية بل سيكون أحد أعمدة نهضة اقتصادية جديدة تعيد بناء الدولة وتمنح الأجيال القادمة مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.




