المجتمع المدني في السودان بعد حرب 15 أبريل 2023 بين تداعيات الحرب ومتطلبات بناء السلام

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين بل مثّلت نقطة تحول مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإنساني في البلاد. فقد تراجعت مؤسسات الدولة في مساحات واسعة وتعطلت الخدمات الأساسية واتسعت رقعة النزوح واللجوء وأصبح ملايين السودانيين يعتمدون على المبادرات المجتمعية والمنظمات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي ظل هذا الانهيار يبرز سؤال جوهري الا وهو أين يقف المجتمع المدني السوداني؟ وهل استطاع الاضطلاع بدوره في واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في تاريخ السودان الحديث أم أن الحرب نفسها أصبحت العائق الأكبر أمام قيامه بوظيفته الوطنية؟
والإجابة ليست بسيطة لأن المجتمع المدني لم يكن مجرد متلقٍ لتداعيات الحرب لكنه كان أحد أكثر القطاعات تأثراً بها وفي الوقت نفسه هو أحد أبرز الفاعلين الذين سعوا إلى التخفيف من آثارها الإنسانية والاجتماعية رغم محدودية الموارد واتساع حجم الكارثة.
يعتبر المجتمع المدني هو ركيزة أساسية في الدولة الحديثة. وفي التجارب الديمقراطية المستقرة يُعد المجتمع المدني أحد الأعمدة الرئيسة في معادلة الدولة إلى جانب الحكومة والقطاع الخاص. فهو ليس بديلاً عن الدولة لكنه شريك في التنمية ورقيب على الأداء العام ومدافع عن الحقوق والحريات ومنصة للمبادرات المجتمعية التي تعزز الاستقرار.
وتتوزع أدوار منظمات المجتمع المدني بين تقديم الخدمات والدفاع عن حقوق الإنسان وتمكين المرأة والشباب وتعزيز ثقافة المواطنة ومراقبة الأداء الحكومي وإدارة الحوار المجتمعي والمساهمة في صياغة السياسات العامة. غير أن هذه الوظائف تتبدل جذرياً عندما تدخل الدولة في حرب شاملة.
ان الحرب تحول الأولوياته من التنمية إلى البقاء وتعيد الحروب ترتيب الأولويات بصورة قاسية. ففي السودان لم تعد التنمية هي القضية المركزية بل أصبح الهدف الأول هو حماية الإنسان وضمان بقائه.
ولقد أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية وإغلاق المدارس والجامعات وتضرر المستشفيات وانقطاع سلاسل الإمداد وانهيار الأسواق في مناطق واسعة وبينما اضطر ملايين المواطنين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار. وفي مثل هذه الظروف انتقلت غالبية منظمات المجتمع المدني من العمل التنموي إلى العمل الإغاثي فتركزت جهودها على توفير الغذاء والدواء والمياه والمأوى وإجلاء المدنيين وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي وحماية الأطفال والنساء وكبار السن.
وبرزت على نحو خاص غرف الطوارئ والمبادرات الشبابية واللجان التطوعية التي ملأت جزءاً من الفراغ الذي خلّفه غياب مؤسسات الدولة في العديد من المناطق.
ان المنظمات الحقوقية بين التوثيق والمخاطر.
ربما كانت المنظمات الحقوقية من أكثر مكونات المجتمع المدني تعقيداً في أداء دورها خلال الحرب.
فهي مطالبة بتوثيق الانتهاكات التي تطال المدنيين ورصد جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجمع الأدلة وفق المعايير الدولية مع الحفاظ على الحياد والاستقلالية والمهنية.
ولكن الواقع السوداني فرض تحديات استثنائية من أبرزها انعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى مناطق القتال وضعف وسائل الاتصال واستهداف بعض العاملين في المجال الحقوقي فضلاً عن الحملات الإعلامية التي سعت إلى التشكيك في مصداقية بعض المنظمات واتهامها بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
ورغم هذه التحديات ظل التوثيق المهني ضرورة وطنية وقانونية لأنه يمثل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه مستقبلاً عمليات العدالة الانتقالية والمساءلة وجبر الضرر.
تمثل منظمات الضغط السياسي أحد المكونات المهمة للمجتمع المدني في الدول الديمقراطية إذ تسعى إلى التأثير في السياسات العامة والدفاع عن الحقوق الدستورية وتعزيز المشاركة السياسية.
غير أن الحرب السودانية وضعتها أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالاستقطاب الحاد الذي سبق الحرب واستمر بعدها انعكس على جزء من مؤسسات المجتمع المدني حيث فقد بعضها استقلاليته وتحول إلى امتداد للصراع السياسي وبينما نجحت منظمات أخرى في الحفاظ على خطاب وطني يركز على وقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة المسار السياسي.
وتكمن أهمية هذا التمييز في الفصل بين النشاط الحقوقي والإنساني من جهة والعمل الحزبي من جهة أخرى، لأن تسييس العمل المدني يفقده ثقة المجتمع ويضعف قدرته على أداء رسالته.
ولم تقتصر آثار الحرب على الجانب الإنساني، كنه امتدت إلى الاقتصاد بصورة غير مسبوقة.
فقد توقفت آلاف المؤسسات الإنتاجية وانهارت فرص العمل وتراجعت الإيرادات العامة وارتفعت معدلات الفقر والتضخم وبينما فقد ملايين السودانيين مصادر دخلهم. وفي مثل هذه الظروف يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تؤدي دوراً يتجاوز الإغاثة المباشرة من خلال دعم سبل كسب العيش وتشجيع المشروعات الصغيرة وتوفير التدريب المهني وتمكين النساء والشباب اقتصادياً بما يخفف من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.
إن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل الشروخ الاجتماعية التي تمتد آثارها لسنوات طويلة. فخطابات الكراهية والاستقطاب الإثني والجهوي والعنف المجتمعي كلها تهدد وحدة السودان أكثر مما تهدده المعارك العسكرية نفسها.
ومن هنا يبرز الدور الثقافي للمجتمع المدني في نشر قيم التسامح وتعزيز ثقافة الحوار ومواجهة خطاب الكراهية وإحياء الهوية الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة. وإن بناء السلام يبدأ من المجتمع قبل أن يبدأ من الاتفاقيات السياسية.
وهنا تنظر المؤسسات الدولية إلى المجتمع المدني باعتباره شريكاً رئيسياً في إدارة الأزمات لا مجرد متلقٍ للدعم. وفي الحالة السودانية تعتمد الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية والاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية بدرجة كبيرة على الشركاء المحليين في تنفيذ برامج الإغاثة والوصول إلى المجتمعات المتضررة وجمع البيانات وتنفيذ برامج التعافي المبكر.
غير أن نجاح هذه الشراكة يتطلب مجتمعاً مدنياً مستقلاً يتمتع بالشفافية والكفاءة ويبتعد عن الاستقطاب السياسي ويخضع لآليات واضحة للمساءلة.
السودان بعد الحرب أي مجتمع مدني نريد؟
عندما تتوقف الحربولن يكون التحدي الحقيقي هو إعادة بناء الطرق والجسور فقط بل إعادة بناء الثقة بين السودانيين. وهنا سيصبح المجتمع المدني أحد أهم أعمدة المرحلة الانتقالية من خلال دعم المصالحة الوطنية والمشاركة في العدالة الانتقالية وإعادة دمج النازحين واللاجئين وتمكين الشباب والنساء وتعزيز الحوار المجتمعي وترسيخ ثقافة السلام.
وكما سيكون مطالباً بالانتقال من عقلية الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى عقلية التنمية المستدامة بما يضمن ألا تتكرر أسباب الصراع التي قادت البلاد إلى هذه الكارثة.
أثبتت حرب 15 أبريل 2023 أن قوة الدول لا تُقاس بجيوشها ومؤسساتها الرسمية وحدها لكن أيضاً بقدرة مجتمعها المدني على الصمود والعمل في أصعب الظروف. فقد كشف المجتمع المدني السوداني رغم ما تعرض له من استهداف وتشظٍ ونقص في المواردوعن طاقات كبيرة في العمل التطوعي والإغاثي والدفاع عن الإنسان. لكنه كشف كذلك عن الحاجة الملحة إلى إصلاح بيئته القانونية والمؤسسية وترسيخ استقلاليته وحمايته من الاستقطاب السياسي.
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالسلاح وحده، ولا بالاتفاقات السياسية وحدها لكن بإحياء مجتمع مدني قوي، مستقل وشفاف، قادر على أن يكون ضمير المجتمع وشريك الدولة وجسر الثقة بين المواطنين. فالدول التي تنجح في الخروج من الحروب ليست تلك التي تُسكت أصوات البنادق فحسب لكنها هى تلك التي تُطلق أصوات المؤسسات المدنية وتمنحها المساحة لتقود مسيرة التعافي وتصنع سلاماً دائماً يقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون.




