حرب 15 أبريل أعادت تشكيل الاقتصاد السوداني ودفعت الملايين إلى حافة الفقر

الجنيه المنهك وحقائب النزوح واللجوء الثقيلة….
حرب 15 أبريل أعادت تشكيل الاقتصاد السوداني ودفعت الملايين إلى حافة الفقر
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
عند اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن المدافع وحدها هي التي أطلقت النار على البلاد لكن انطلقت معها رصاصة أخرى أصابت قلب الاقتصاد الوطني وبينما كانت المدن تتحول إلى ساحات قتال .كانت الأسواق تتحول إلى مسارح للغلاء والبنوك إلى مؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها والجنيه السوداني إلى ضحية جديدة تنزف قيمته يوماً بعد يوم.
لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء ولكنها في الوقت ذاته دفعت الاقتصاد الوطني نحو واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث. فخلف صور المخيمات وطوابير المساعدات الإنسانية وتوجد مأساة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة أعادت رسم حياة السودانيين داخل البلاد وخارجها ووضعت مستقبل السودان أمام أسئلة مصيرية.
منذ الأيام الأولى للحرب تعرضت البنية الاقتصادية فى السودان لضربة قاسية وقاصمة. فقد تركزت المعارك في العاصمة الخرطوم التي كانت تمثل القلب المالي والتجاري والإداري للبلاد. توقفت آلاف الشركات والمصانع عن العمل وتعطلت سلاسل الإمداد وفقدت الأسواق مراكز توزيعها الرئيسية.
كما تراجعت الإيرادات الحكومية بصورة حادة نتيجة انخفاض النشاط الاقتصادي وتعطل المؤسسات المالية وبينما ارتفعت النفقات المرتبطة بالحرب والأمن والإغاثة. وفي ظل هذا الاختلال الحاد بين الإيرادات والمصروفات لجأت السلطات إلى وسائل تمويل استثنائية أسهمت في زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد.
ومع اتساع رقعة القتال تراجعت الاستثمارات المحلية والأجنبية وخرجت رؤوس أموال كبيرة من البلاد بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً والأمر الذي عمّق أزمة النقد الأجنبي وزاد من هشاشة الاقتصاد الوطني.
يُعد تدهور قيمة الجنيه السوداني أحد أبرز المؤشرات على حجم الكارثة الاقتصادية التي أفرزتها الحرب. فقبل اندلاع النزاع كان الاقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية مزمنة لكن الحرب دفعت هذه الاختلالات إلى مستويات غير مسبوقة.
فأدت خسارة الإنتاج وتراجع الصادرات وتوقف أجزاء واسعة من النشاط المصرفي إلى ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية مقابل انخفاض المعروض منها. ومع تزايد حالة عدم اليقين اتجه المواطنون والتجار إلى اكتناز الدولار والعملات الصعبة باعتبارها ملاذاً آمناً ما أدى إلى تسارع انهيار الجنيه.
ولم يكن تراجع العملة مجرد رقم في نشرات الاقتصاد لكنه انعكس مباشرة على حياة المواطنين. فكل انخفاض جديد في قيمة الجنيه كان يعني ارتفاعاً جديداً في أسعار الغذاء والدواء والوقود والإيجارات ورسوم التعليم والعلاج الأمر الذي أضعف القوة الشرائية للأسر السودانية إلى مستويات غير مسبوقة.
ربما يكون النازحون هم الفئة الأكثر تضرراً من الانهيار الاقتصادي المصاحب للحرب. فالنزوح واللجوء لا يعني فقط فقدان المنزل بل يعني أيضاً فقدان مصدر الدخل والمدخرات وشبكات الحماية الاجتماعية التي كانت توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
ملايين السودانيين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم تاركين وراءهم وظائفهم وأعمالهم التجارية ومزارعهم وممتلكاتهم. وتحولت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى فئات تعتمد على المساعدات الإنسانية أو تحويلات الأقارب في الخارج.
أما اللاجئون الذين عبروا الحدود إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا ودول أخرى فقد واجهوا تحديات اقتصادية مضاعفة. فمن جهة فقدوا مصادر دخلهم داخل السودان ومن جهة أخرى وجدوا أنفسهم في مجتمعات جديدة تتطلب نفقات معيشية مرتفعظة مقارنة بقدراتهم المالية المتآكلة بفعل انهيار الجنيه.
وأصبحت التحويلات المالية القادمة من المغتربين تمثل شريان حياة أساسياً لآلاف الأسر السودانية غير أن تدهور سعر الصرف جعل هذه الأسر رهينة للتقلبات اليومية في سوق العملات.
من أخطر الآثار الاجتماعية للحرب أنها سرعت عملية تآكل الطبقة الوسطى السودانية التي ظلت تاريخياً تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
فالموظفون وأصحاب المهن الحرة والتجار الصغار وجدوا أنفسهم أمام معادلة مستحيلة دخول ثابتة متوقفة بالكامل في مواجهة أسعار ترتفع بصورة متسارعة. ونتيجة لذلك انزلقت أعداد كبيرة من الأسر إلى دائرة الفقر بينما اتسعت الفجوة بين القلة القادرة على الوصول إلى العملات الأجنبية والأغلبية التي تعتمد على الجنيه المنهك.
كما أدت ظروف النزوح إلى ضغوط اجتماعية إضافية تمثلت في الاكتظاظ السكاني في المدن الآمنة نسبياً وارتفاع الإيجارات وزيادة المنافسة على فرص العمل المحدودة والخدمات العامة مما خلق توترات اجتماعية جديدة في العديد من المناطق.
لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن المشهد الأمني. فكلما طال أمد الحرب ازداد تدهور الاقتصادةوكلما تدهور الاقتصاد ازدادت احتمالات استمرار الصراع.
إن ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانهيار المؤسسات الاقتصادية يخلق بيئة خصبة لانتشار الجريمة المنظمة والاقتصاد غير الرسمي وعمليات التهريب. كما أن ضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية يقوض الثقة في المؤسسات العامة ويزيد من هشاشة الاستقرار الأمني.
وفي كثير من النزاعات حول العالم أثبتت التجارب أن الانهيار الاقتصادي لا يكون مجرد نتيجة للحرب لكنه يصبح أحد العوامل التي تغذي استمرارها.
سياسياً، كشفت الحرب عن هشاشة البنية الاقتصادية للدولة السودانية واعتمادها الكبير على مراكز محددة للنشاط المالي والإداري. كما أظهرت أن الاستقرار السياسي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاقتصادي.
فأي مشروع للتسوية السياسية أو إعادة بناء الدولة سيكون محكوماً بقدرته على معالجة القضايا الاقتصادية الجوهرية وعلى رأسها استعادة الثقة في العملة الوطنيةةوإعادة تشغيل المؤسسات الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل لملايين الشباب والنازحين.
إن إعادة إعمار السودان لن تكون مجرد عملية هندسية لإصلاح الطرق والجسور والمباني بل ستكون مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ضخماً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أنتجت حرب 15 أبريل واحدة من أعقد الأزمات التي عرفها السودان في تاريخه المعاصر. فإلى جانب الدمار الإنساني الهائل تركت الحرب اقتصاداً منهكاً وعملة وطنية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها وملايين النازحين واللاجئين الذين يحملون على أكتافهم أعباء المستقبل المجهول.
ولعل أخطر ما في الأزمة ليس ما خسرته البلاد حتى الآن لكن ما يمكن أن تخسره إذا استمرت الحرب واستمر نزيف الاقتصاد. فالجنيه السوداني لا يستعيد عافيته بالقرارات النقدية وحدها كما أن النازحين واللاجئين لا يعودون إلى ديارهم بالمساعدات الإنسانية فقط. إن الطريق إلى التعافي يبدأ أولاً بوقف الحرب ثم بإطلاق مشروع وطني شامل يعيد بناء الاقتصاد والدولة والمجتمع على أسس جديدة أكثر عدالة واستدامة حتى لا يتحول النزوح والجوء المؤقت إلى قدر دائم ولا يصبح انهيار العملة عنواناً لمستقبل السودان.




