الضرس الذي يؤلمك قم بقلعه

بقلم أ. محمد أوسكار
Mohamedmustafa3243@yahoo.com
20 يونيو 2026
نعم أيها القارئ الكريم، الضرس الذي يؤلمك قم بقلعه ولا تتردد.
فعملية قلع الضرس لا تأتي من فراغ ابداً ، بل تسبقها مراحل عديدة تبدأ بالإحساس بالألم المفرط . وعندما يشعر الإنسان بالألم، غالبًا ما يلجأ إلى المسكنات أملاً في تجاوز المشكلة مؤقتًا. غير أن المسكنات، مهما كانت فعاليتها، لا تعالج السبب الحقيقي للألم، وإنما تؤخر مواجهته فقط.
ومع مرور الوقت يزداد الألم حدة، ويجد المريض نفسه مضطرًا للذهاب إلى طبيب الأسنان. عندها يبدأ الطبيب في تشخيص الحالة بصورة دقيقة، فيفحص جميع الأسنان والأضراس ليحدد موضع الخلل الحقيقي. وقد يقرر علاج الجذور والإبقاء على السن، أو استخدام مضاد حيوي إذا كانت المشكلة عابرة، أو قد يصل إلى قناعة بأن الحل الوحيد هو استئصال الضرس الملتهب حتى لا يمتد الضرر إلى بقية الأسنان.
وحقيقةً، فإن عملية خلع الضرس تتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة؛ فالمريض يكون واعيًا لما يجري حوله، ويخضع لتخدير موضعي فقط، يتابع عملية قلع الضرس بعينه ، ثم ينتظر حتى انتهاء العملية رغم ما يصاحبها من رهبة وقلق. وهنا يكمن جوهر الفكرة.
فأنا هنا لا أتحدث عن الضرس بمعناه الطبي فحسب، وإنما أتحدث عن الفساد والمحسوبية وكل الممارسات السيئة التي أنهكت الدولة وأضعفت مؤسساتها وأعاقت مسيرة التنمية والاستقرار. فالفساد يشبه الضرس الملتهب؛ قد نلجأ إلى المسكنات ونؤجل العلاج، وقد نحاول التعايش معه لفترة من الزمن، لكنه في النهاية يواصل إفساد الجسد كله إذا لم يتم التعامل معه بحسم.
لقد ظلت بلادنا لسنوات طويلة تعاني من آثار الفساد الإداري والمالي والمحسوبية وتقديم الولاءات على الكفاءات، حتى أصبحت هذه الظواهر من أكبر أسباب التراجع والتخلف وتعطيل قدرات الدولة. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للإصلاح لا بد أن يبدأ بتشخيص الداء أولًا، ثم اتخاذ القرارات الشجاعة لمعالجته، مهما كانت صعوبتها أو كلفتها.
إن عملية “قلع الضرس” في مؤسسات الدولة تعني إزالة بؤر الفساد، ومحاسبة المفسدين، وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص. أما الاكتفاء بالمسكنات والشعارات والخطابات الرنانة فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وزيادة تعقيدها.
إن الأمم لا تنهض بالمجاملات، ولا تبنى بالمحسوبية، وإنما تبنى بالقانون والعدالة والكفاءة. وإذا أردنا أن نرى وطنًا معافى وقادرًا على النهوض من أزماته، فعلينا أن نتحلى بالشجاعة اللازمة لاتخاذ القرارات الصعبة، تمامًا كما يفعل المريض عندما يقرر خلع الضرس الذي يؤلمه.
فالضرس الذي يؤلمك قم بقلعه، والفساد الذي يؤلم الوطن يجب استئصاله قبل أن يقضي على ما تبقى من عافيته.




