سياسة

فشل العملية السياسية في السودان من قولة تيت


كتب: حسين سعد

بالأمس حذّر نداء سلام السودان من أن المسار السياسي الجاري، في أعقاب مشاورات أديس أبابا، التي انفضت مؤخرا يواجه مخاطر جدية قد تقوده إلى الفشل أو إعادة إنتاج الأزمة، في حال المضي في تشكيل اللجنة التحضيرية دون أسس توافقية واضحة أو تمثيل واسع ومتفق عليه.
وأكد نداء سلام السودان أن أي ترتيبات تُفرض خارج إطار التوافق السوداني الشامل ستقوّض الثقة في العملية السياسية منذ بدايتها، وتحولها إلى مسار إقصائي، بدلاً من أن تكون مدخلاً لإنهاء الحرب وبناء سلام مستدام.
وعقدت مشاورات أديس أبابا الأخيرة في لحظة سياسية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الحرب المستمرة مع انهيار واسع في بنية الدولة، وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتآكل الثقة بين الفاعلين السودانيين. وفي هذا السياق، تبرز ورقة موقف نداء سلام السودان بوصفها محاولة لإعادة ضبط بوصلة النقاش السياسي نحو مسار أكثر شمولاً وعمقاً، لا يكتفي بوقف الحرب كهدف مباشر، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنية السياسية والاجتماعية التي أنتجت الحرب نفسها.


ولا تقدم الورقة مجرد تقييم إجرائي لمشاورات أديس أبابا، بل تعكس رؤية سياسية ترى أن ما يجري حتى الآن لا يزال في إطار “إدارة الأزمة” لا “حل الأزمة”، وأن الانتقال إلى سلام حقيقي يتطلب إعادة تعريف العملية السياسية من جذورها، وليس الاكتفاء بتفاهمات جزئية أو مسارات تفاوضية متوازية.
أولاً: مشاورات أديس أبابا – خطوة ضرورية ولكن غير حاسمة
ينطلق نداء سلام السودان من تقدير إيجابي حذر لمشاورات أديس أبابا، حيث يعتبرها خطوة أولى مهمة في مسار طويل ومعقد. غير أن هذا التقدير لا يأتي مطلقاً، بل مشروط بقدرة العملية على التطور من مجرد منصة حوار إلى آلية إنتاج سياسي فعّالة.


ويُقرأ هذا الموقف، سياسياً، باعتباره محاولة لتثبيت “الحد الأدنى من التفاؤل” في بيئة يغلب عليها الانسداد. إذ تشير الورقة التي اطلعت عليها مدنية نيوز إلى أن المشاورات نجحت في الحفاظ على قنوات تواصل بين أطراف سودانية متعددة، وهو أمر لا يُستهان به في سياق حرب مفتوحة وتفكك سياسي متسارع.
لكنها، في المقابل، تؤكد أن هذه المشاورات لم تحسم القضايا الخلافية الجوهرية، ما يجعلها أقرب إلى “تمهيد سياسي” منها إلى “مسار تسوية”. وهنا يتضح جوهر الموقف: الاعتراف بالقيمة التكتيكية للمشاورات، مع التحذير من المبالغة في تقدير نتائجها السياسية.


ثانياً: إشكالية الانتقال من الحوار إلى العملية السياسية
تطرح الورقة سؤالاً محورياً يتعلق بآلية التحول من مجرد حوار بين أطراف متباينة إلى عملية سياسية ذات بنية واضحة ونتائج ملزمة.
ويشير نداء سلام السودان إلى أن استمرار الحوار دون تحويله إلى أطر مؤسسية واضحة قد يقود إلى حالة من “إطالة أمد التفاوض دون إنتاج سياسي فعلي”. وهي إشكالية ليست جديدة في السياق السوداني، بل ارتبطت تاريخياً بمسارات سلام انتهت إلى اتفاقات سلام جزئية ومحاصصات في السلطة لم تعالج جذور الصراع.


ومن هنا، تأتي أهمية التأكيد على “الملكية السودانية” للعملية السياسية، ليس كشعار سياسي، بل كشرط جوهري لنجاح أي تسوية. فالورقة تفترض أن أي تدخل خارجي، مهما كانت دوافعه، لا يمكن أن يكون بديلاً عن توافق داخلي حقيقي، بل يجب أن يظل داعماً ومكملاً له.
ثالثاً: اللجنة التحضيرية – بين الضرورة ومخاطر التأسيس غير التوافقية حيث تولي الورقة أهمية خاصة لمقترح تشكيل لجنة تحضيرية، لكنها في الوقت ذاته تحذر من مخاطر إنشائها دون أسس متفق عليها.


ومن منظور التحليل السياسي، تمثل هذه النقطة جوهر الصراع حول “من يملك حق تصميم العملية السياسية”. فاللجنة التحضيرية ليست مجرد أداة تقنية، بل هي آلية تحدد طبيعة التمثيل، وأجندة النقاش، وحدود المشاركة، وبالتالي فإنها تؤثر مباشرة على مخرجات العملية السياسية.
ويعكس تحذير نداء سلام السودان إدراكاً واضحاً لمخاطر احتكار المسار السياسي من قبل أطراف محدودة، بما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج اختلالات التمثيل التي ساهمت في تفجير الأزمة الحالية.
رابعاً: جذور الأزمة – من وقف الحرب إلى إعادة تأسيس الدولة
تنتقل الورقة من مقاربة “وقف الحرب” إلى مقاربة أكثر عمقاً تتمثل في “معالجة جذور الأزمة”، وهو تحول مهم في طبيعة الخطاب السياسي.
فالحرب الحالية، وفق هذا التصور، ليست حادثة معزولة، بل نتيجة تراكمات طويلة مرتبطة بطبيعة الدولة السودانية، وتوازن السلطة، وقضايا المواطنة والعدالة.
وتحدد الورقة أبرز هذه الجذور في:
أزمة المواطنة المتساوية
غياب العدالة الانتقالية
اختلال العلاقة بين المدنيين والعسكريين
أزمة الحكم وتوزيع السلطة
وبذلك تضع العملية السياسية أمام سؤال جوهري: هل المطلوب مجرد إنهاء الحرب، أم إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد؟
ويبدو أن رؤية نداء سلام السودان تميل إلى الخيار الثاني، بما يجعلها أكثر جذرية من المقاربات التي تركز على الترتيبات الأمنية أو وقف إطلاق النار فقط.


خامساً: الشمولية السياسية والمجتمعية – إعادة تعريف الفاعل السياسي
تدعو الورقة إلى توسيع المشاركة السياسية لتشمل النازحين واللاجئين والنساء والشباب والفاعلين المحليين، في تحول مهم نحو إعادة تعريف مفهوم “الفاعل السياسي” في السودان.
فالتجربة التقليدية للعملية السياسية كانت محصورة في النخب الحزبية والعسكرية، بينما تقترح الورقة توسيع قاعدة المشاركة لتشمل الفئات الأكثر تضرراً من الحرب.
غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، يطرح تحديات تتعلق بآليات التمثيل، ومعايير الاختيار، والجهة التي تحدد من يمثل هذه الفئات. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الإشكاليات يعكس تحولاً في التفكير السياسي نحو مزيد من الشمولية.


سادساً: الدور الإقليمي والدولي – دعم لا وصاية
تتبنى الورقة موقفاً متوازناً من الدور الإقليمي والدولي؛ فهي من جهة تعترف بأهمية الدعم الخارجي، لكنها من جهة أخرى تحذر من تحوله إلى بديل عن الإرادة الوطنية.
ويستند هذا الموقف إلى تجربة سودانية سابقة أظهرت أن تعدد المبادرات الخارجية غالباً ما يؤدي إلى تعقيد المشهد بدلاً من حله.
لذلك تدعو الورقة إلى:
تعزيز التنسيق بين الشركاء الدوليين
تقليل المسارات المتوازية
دعم عملية يقودها السودانيون
بهدف إعادة مركزية القرار السياسي داخلياً دون الانعزال عن المحيط الإقليمي والدولي.
سابعاً: الحرب والشرعية – تفكيك منطق القوة
تؤكد الورقة أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه عبر الوسائل العسكرية، وأن الشرعية السياسية لا يمكن أن تُبنى على القوة وحدها.
ويمثل هذا الطرح تحدياً مباشراً لمنطق الحرب، حيث يعيد تعريف الشرعية باعتبارها نتاجاً للتوافق السياسي لا للسيطرة العسكرية.


ويحمل هذا الموقف رسالتين واضحتين:
لا يمكن لأي طرف فرض شرعيته بالقوة
المستقبل السياسي يجب أن يكون نتاج عملية تفاوضية شاملة
ثامناً: نحو عملية سياسية طويلة المدى
تختتم الورقة رؤيتها باعتبار مشاورات أديس أبابا محطة ضمن مسار طويل، لا نقطة نهاية. فبناء السلام في السودان، وفق هذا التصور، ليس حدثاً سريعاً، بل عملية تاريخية معقدة تتطلب إعادة بناء الثقة والهياكل السياسية والاجتماعية.
وتؤكد الورقة أيضاً التزام نداء سلام السودان بدعم الحوار وإيصال أصوات المتأثرين بالحرب، بما يربط السياسة بالمجتمع بدلاً من حصرها في النخب.


وفي السياق ذاته، فإن ما ذهبت إليه ورقة موقف نداء سلام السودان يتوافق مع موقف الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، التي أعلنت عدم مشاركتها في العملية السياسية الجارية والاجتماعات المرتبطة بها، ودعت إلى مراجعة شاملة للمسار التفاوضي الحالي وإعادة تصميمه بما يضمن مشاركة فاعلة للقوى المدنية المناهضة للحرب.


وانتقدت الحركة، في بيانها الصادر عقب اجتماع طارئ لها الاحد الماضي طريقة إدارة العملية السياسية الحالية، معتبرة أن تصميمها لا يمنح القوى المدنية دوراً مؤثراً في صناعة القرار، ويعيد إنتاج تجارب التسويات الجزئية التي فشلت في تحقيق السلام والاستقرار.
كما حذرت من إنتاج “سلام هش” شبيه باتفاقات سابقة، مؤكدة أن الحلول الجزئية قد تفتح الباب أمام تجدد الصراع مستقبلاً.


ودعت إلى توسيع التحالفات المدنية المناهضة للحرب، وإعادة صياغة إعلان المبادئ بما يضمن بناء جبهة مدنية واسعة، مؤكدة أن أي عملية لا تستند إلى هذه الأسس ستظل معرضة للفشل وإعادة إنتاج الأزمة.

عموما.. يمكن القول إن ورقة نداء سلام السودان تمثل محاولة لإعادة صياغة النقاش حول السلام في السودان من مستوى “وقف الحرب” إلى مستوى “إعادة تأسيس الدولة”.


فهي لا ترفض مسار أديس أبابا، لكنها تضعه في سياقه الحقيقي باعتباره محطة أولى ضمن عملية سياسية أوسع تحتاج إلى تطوير جذري لتصبح قابلة لإنتاج سلام مستدام.


وفي جوهرها، تعكس الورقة إدراكاً بأن الأزمة السودانية ليست أزمة حرب فقط، بل أزمة دولة ومجتمع ونظام سياسي. وبالتالي، فإن أي حل مستدام لا يمكن أن يكون تقنياً أو جزئياً، بل يجب أن يكون سياسياً واجتماعياً شاملاً يعيد تعريف الدولة نفسها.
ومع أن الطريق إلى السلام لا يزال طويلاً ومعقداً، فإن مثل هذه الأوراق تسهم في توسيع دائرة النقاش السياسي، وإبقاء فكرة السلام ممكنة في واقع شديد الاضطراب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى