ما بعد الحرب في السودان.. (3) معركة الاقتصاد بين وصفات الخارج وخيارات الاعتماد على الذات:

رصد وتحرير : حسين سعد وطارق بشري
في الوقت الذي لا تزال فيه الحرب السودانية تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والمجتمع والدولة، تتصاعد داخل الأوساط السياسية والاقتصادية معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها: من سيضع ملامح الاقتصاد السوداني في اليوم التالي للحرب؟ وهل ستعود البلاد إلى ذات السياسات التي طبقت في الفترة الانتقالية، أم أن الأزمة الحالية ستفتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج والعدالة الاجتماعية وحشد الموارد الذاتية؟ هذه الأسئلة كانت محور نقاش موسع شارك فيه عدد من الاقتصاديين والأكاديميين والفاعلين السياسيين، في ندوة تحالف قوي التغيير الجذري التي تناولت مستقبل الاقتصاد السوداني بعد الحرب، وسط شبه إجماع على أن السياسات الاقتصادية التي طُبقت عقب ثورة ديسمبر لم تحقق أهداف الثورة، بل ساهمت – بحسب المشاركين – في تعميق الفقر، وتوسيع النفوذ الاقتصادي للنخب الطفيلية، وإضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها؟.
في مستهل النقاش، أكد الدكتور حسام إسماعيل أن مستقبل الاقتصاد السوداني سيظل مرتبطاً بطبيعة التسوية السياسية التي ستنهي الحرب. وقال إن تاريخ السودان مع التسويات السياسية يظهر أن معظم الاتفاقات السابقة كانت تفضي إلى برامج اقتصادية نيوليبرالية مدفوعة من المؤسسات الدولية، ما يفرض – بحسب تعبيره – ضرورة الاستعداد منذ الآن لطرح بديل اقتصادي وطني يحمي مصالح المواطنين. وأشار إسماعيل إلى أن الاعتماد المستمر على المنح والقروض الخارجية يمثل خطراً استراتيجياً على السودان، مضيفاً أن “الدولة التي تدخل في دائرة الإعانات تظل أسيرة لها، وتظل مديونة بصورة مستمرة”، مستشهداً بتجارب دول عديدة في المنطقة.
أطنان الذهب :
من جانبه، شدد الدكتور صدقي كبلو على أن إعادة الإعمار لا يجب أن تعني إعادة إنتاج المؤسسات والهياكل التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل يجب أن تتحول إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصاد جديد، وأوضح أن بناء اقتصاد متعافٍ يبدأ أولاً من إعادة تشغيل الطاقة الإنتاجية المعطلة في القطاعات الزراعية والصناعية، مؤكداً أن السودان يمتلك موارد حقيقية تمكنه من تمويل جزء كبير من إعادة البناء، وعلى رأسها الذهب وقال كبلو إن السودان ينتج عشرات الأطنان من الذهب سنوياً، بما يعادل مليارات الدولارات، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توظيف هذه العائدات في دعم الإنتاج، وليس في تمويل الاستهلاك أو الإنفاق غير المنتج.
أما الدكتور وائل فهمي فقد ركز على ضرورة الاستفادة من أخطاء الفترة الانتقالية السابقة، مؤكداً أن أي خطة لما بعد الحرب يجب أن تقوم على مبدأين أساسيين: تحييد القوى المضادة للإصلاح الاقتصادي، وتحقيق التوازن بين الاستقرار الاجتماعي ومتطلبات إعادة الإعمار. وحذر فهمي من أن ضخ الأموال في مرحلة ما بعد الحرب دون إدارة دقيقة قد يؤدي إلى موجات تضخمية خطيرة تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن التمويل الخارجي وحده لن يكون قادراً على إنقاذ السودان، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وتراجع قدرة الدول الغربية على تقديم الدعم.
وفي السياق ذاته، طرح الأستاذ كمال كرار رؤية سياسية واجتماعية لمرحلة ما بعد الحرب، داعياً إلى الانتقال من مفهوم “إعادة الإعمار” إلى مفهوم “إعادة البناء”، باعتبار أن حجم الدمار الذي أصاب السودان يتجاوز مجرد إصلاح المباني والمنشآت، وأكد كرار أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون للإنسان السوداني، عبر برامج مكافحة الفقر، ودعم الغذاء، وتوسيع خدمات الصحة والتعليم، ومعالجة البطالة، قبل التوسع في مشروعات البنية التحتية الكبرى.
وفي المقابل قدم الدكتور شوقي عزمي شرحاً مفصلاً حول الصراع الذي دار خلال الفترة الانتقالية بشأن إدارة الاقتصاد، وأوضح أن الخلاف بين اللجنة الاقتصادية للحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية وبين فريق وزير المالية السابق إبراهيم البدوي لم يكن خلافاً سياسياً، بل خلافاً منهجياً حول طبيعة الإصلاح الاقتصادي.
وأشار عزمي إلى أن اللجنة الاقتصادية كانت تدعو إلى إصلاح داخلي قائم على معالجة الاختلالات المالية أولاً، قبل تنفيذ سياسات مثل رفع الدعم وتحرير سعر الصرف، بينما اتجهت الحكومة نحو تنفيذ وصفات مرتبطة بصندوق النقد الدولي
كما كشف عزمي عن الأهمية الاستراتيجية لإنشاء بورصة للسلع والمعادن، خاصة الذهب، موضحاً أن السودان ينتج – وفق تقديرات فنية – ما يفوق 100 طن من الذهب سنوياً، بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار بالأسعار الحالية.
لكن المشكلة الأساسية – بحسب عزمي – أن معظم هذا الذهب لا يدخل في الدورة الاقتصادية الرسمية، لأن الجزء الأكبر منه مملوك للقطاع الخاص ويخرج عبر قنوات تصدير لا تضمن عودة حصائل النقد الأجنبي إلى الاقتصاد الوطني. وأكد أن إنشاء بورصة سودانية للذهب والمعادن يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية، من خلال ضبط الأسعار، وتقليل التهريب، وتحقيق الشفافية، وربط الذهب مباشرة بخزينة الدولة ومشروعات التنمية
خاتمة الحلقة الثالثة: رغم اختلاف المدارس الاقتصادية والسياسية بين المشاركين، إلا أن الرسالة التي خرجت بها الندوة بدت واضحة: السودان بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج إلى معركة جديدة عنوانها استعادة القرار الاقتصادي الوطني.
وبين من يدعون إلى استمرار الانفتاح على المؤسسات الدولية، ومن يتمسكون بخيار الاعتماد على الذات، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً أن نجاح أي مشروع لإعادة بناء السودان لن يقاس بعدد المباني التي ستُشيد، بل بقدرة الدولة على بناء اقتصاد يخدم الإنسان السوداني أولاً(يتبع)




