الذهب والانقلاب والاقتصاد الموازي .. كيف سقطت التجربة الانتقالية في السودان؟ (4-4)

رصد وتحرير : حسين سعد وطارق بشري
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 مجرد صراع عسكري على السلطة، بقدر ما مثلت امتدادًا لصراع أعمق ظل يتشكل داخل بنية الدولة منذ الأيام الأولى للفترة الانتقالية؛ صراع حول من يملك الاقتصاد… ومن يملك القرار السياسي. وبينما انشغل السودانيون بشعارات الانتقال المدني وإعادة بناء الدولة، كانت معركة أخرى تدور بصمت داخل مفاصل الاقتصاد، عنوانها الذهب، والشركات العسكرية، والاقتصاد الموازي، وتضارب المصالح بين مشروع الدولة المدنية وشبكات القوة المالية التي ترعرعت خارج ولاية المؤسسات الرسمية.
خلال ندوة اقتصادية مطولة نظمها تحالف التغيير الجذري ناقشت حصيلة التجربة الاقتصادية والسياسية للفترة الانتقالية، طرح مدير الندوة سؤالًا بدا وكأنه يلخص مأزق المرحلة بأكملها:
هل وقع انقلاب أكتوبر 2021 لأن الحكومة المدنية نجحت اقتصاديًا وبدأت تهدد مصالح قوى النفوذ التقليدية؟ أم أن فشل السياسات الاقتصادية نفسها هو الذي أضعف الحاضنة المدنية ومهّد الطريق للانقلاب؟
بالنسبة لعدد من الاقتصاديين والخبراء المشاركين، فإن الإجابة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد نجاح أو فشل؛ إذ رأوا أن الأزمة الحقيقية تمثلت في أن السلطة المدنية لم تمتلك السيطرة الكاملة على أدوات الاقتصاد، بينما استمرت مراكز القوة العسكرية والمالية في إدارة جزء كبير من الموارد الاستراتيجية خارج سلطة الدولة
الذهب… المورد الذي لم يدخل الخزانة
كشف الخبير الاقتصادي محمد خطاب أن اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير كانت قد قدمت منذ وقت مبكر تقديرات تشير إلى أن السودان كان قادرًا على تحقيق عائدات صادرات تتراوح بين 12 و14 مليار دولار سنويًا إذا تم ضبط الصادرات، ومحاربة التهريب، وإخضاع قطاع الذهب لرقابة الدولة.
لكن، وفقًا للمشاركين، لم يحدث ذلك.
ظل الذهب—أحد أهم الموارد السودانية—خارج السيطرة المؤسسية الكاملة، في ظل غياب بورصة وطنية، وضعف الرقابة على الإنتاج والتسويق، واستمرار التهريب عبر شبكات معقدة مرتبطة بمراكز نفوذ اقتصادية وأمنية.
وقال المشاركون إن مليارات الدولارات خرجت من الاقتصاد الرسمي خلال تلك الفترة، بينما ظلت الدولة تبحث عن المنح والقروض الخارجية، رغم امتلاكها موارد كان يمكن أن تغنيها عن جزء كبير من ذلك الاعتماد.
الضرائب… المواطن يدفع والقطاعات الكبرى تربح
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، أشار خطاب إلى أن السياسات الضريبية خلال الفترة الانتقالية كانت منحازة ضد المواطن أكثر من استهدافها للقطاعات الرأسمالية الكبرى.
وأوضح أن شركات الاتصالات—التي تعد من أكثر القطاعات تحقيقًا للأرباح—لم تكن تدفع سوى نحو 7% فقط كضريبة أرباح أعمال، بينما كانت الحكومة ترفع الضرائب غير المباشرة مثل القيمة المضافة، التي يتحملها المواطن مباشرة.
وبحسب حديثه، فإن ضريبة القيمة المضافة ارتفعت من 35% إلى 40%، ما زاد الضغط على المستهلكين، وأدى إلى تحميل الشرائح الضعيفة كلفة الإصلاح الاقتصادي، بدلًا من توجيه العبء نحو القطاعات الأكثر ربحية.
حميتي ولجنة الطوارئ الاقتصادية
واعتبر المشاركون أن واحدة من أخطر اللحظات في مسار الاقتصاد الانتقالي كانت تولي الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئاسة اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية.
فبحسب المتحدثين، لم يكن ذلك مجرد ترتيب إداري، بل نقل مركز الثقل الاقتصادي إلى خارج المؤسسات المدنية، ومنح شبكات النفوذ العسكري والمالي قدرة مباشرة على التأثير في القرارات الاقتصادية الكبرى.
وأشار عدد من المشاركين إلى أن اللجنة اتخذت قرارات عززت ما وصفوه بـ”الرأسمالية الطفيلية”، من بينها تحرير تجارة الذهب، وإفساح المجال أمام مجموعات اقتصادية مرتبطة بمراكز القوة للسيطرة على قطاعات استراتيجية مثل الذهب والمحروقات.
أكثر من 250 شركة خارج ولاية المالية
وكشف المشاركون أن إحدى أكبر العقبات التي واجهت الحكومة الانتقالية كانت استمرار عمل مئات الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية والأجهزة النظامية خارج ولاية وزارة المالية.
وأشار خطاب إلى أن عدد هذه الشركات تجاوز 250 شركة، بينها شركات مرتبطة بالقوات المسلحة وأخرى بقوات الدعم السريع، وكانت تعمل في قطاعات حيوية تشمل التعدين، والاستيراد، والخدمات، والمحروقات.
وبحسب المتحدثين، فإن هذه الشركات لم تكن تخضع للإفصاح المالي الكامل، ولم تدخل مواردها بصورة شفافة إلى الخزانة العامة، وهو ما أدى إلى خلق اقتصاد موازٍ داخل الدولة نفسها.
ويرى المشاركون أن هذا التمركز المالي خلق مصالح ضخمة لدى هذه المجموعات، وجعل حماية النفوذ الاقتصادي مرتبطة بشكل مباشر بالسيطرة على السلطة السياسية.
هل كان الانقلاب اقتصاديًا أيضًا؟
يرى الاقتصادي وائل فهمي أن انقلاب أكتوبر لم يكن حدثًا سياسيًا معزولًا عن الاقتصاد، بل كان مرتبطًا بصراع مباشر حول من يملك القرار الاقتصادي.
وقال إن السياسات النيوليبرالية التي تبنتها الحكومة الانتقالية—مثل رفع الدعم، وتحرير سعر الصرف، وتخفيض قيمة العملة—أدت إلى إنهاك المواطنين، وإضعاف القاعدة الاجتماعية للسلطة المدنية.
وأضاف أن قوى الثورة المضادة داخل مؤسسات الدولة استغلت هذا التدهور المعيشي، عبر أزمات الوقود، وإغلاق ميناء بورتسودان، وأزمات التضخم، لخلق بيئة اجتماعية ناقمة على الحكومة.
مسؤولية القوى السياسية
من جانبه، رأى الدكتور أبو الحسن فرح أن المسؤولية لا تقع فقط على الوزراء أو الخبراء الاقتصاديين، وإنما على الأحزاب السياسية التي وافقت على ترتيبات الشراكة مع العسكريين دون بناء مؤسسات رقابية وتشريعية قوية.
وأكد أن غياب المجلس التشريعي، وتأخير إصلاح الأجهزة الأمنية، وعدم إخضاع الشركات العسكرية لوزارة المالية، خلق بيئة جعلت الانقلاب مسألة وقت لا أكثر.
الدرس الأكبر… الاقتصاد لا ينفصل عن الديمقراطية
خلص المشاركون في الندوة إلى أن أحد أكبر أخطاء الفترة الانتقالية كان محاولة تطبيق وصفات اقتصادية جاهزة دون مراعاة طبيعة الاقتصاد السوداني، وفي ظل غياب السيطرة المدنية الكاملة على الموارد الاستراتيجية.
وأكدوا أن أي انتقال سياسي قادم لن ينجح ما لم يقم على برنامج اقتصادي وطني مستقل، يبدأ من استعادة السيطرة على الذهب، وإخضاع الشركات العسكرية لولاية المالية، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وربط العدالة الاقتصادية بمشروع التحول الديمقراطي.
خاتمة الحلقة الرابعة:
بعد الحرب، لم يعد السؤال في السودان فقط: من يحكم؟
بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: من يملك الاقتصاد؟
لأن التجربة الانتقالية أثبتت أن الديمقراطية لا يمكن أن تنجح في ظل اقتصاد موازٍ، ولا يمكن للدولة المدنية أن تستقر بينما تظل ثرواتها الكبرى خارج سيطرتها.
وربما لهذا، فإن معركة السودان القادمة لن تكون فقط معركة إعادة إعمار… بل معركة استرداد الدولة نفسها.




