سياسة

كهرباء السودان.. قطاع على حافة الانهيار ومواطنون يدفعون ثمن الحرب

كهرباء السودان.. قطاع على حافة الانهيار ومواطنون يدفعون ثمن الحرب

🔸️سنوات من ضعف الاستثمار وسوء التخطيط وتآكل البنية الأساسية للقطاع.

تحقيق : شادية جادين

في الوقت الذي تتطلع فيه البلاد إلى استعادة عجلة الحياة الطبيعية بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، تبرز أزمة الكهرباء كواحدة من أخطر التحديات التي تواجه السودان، ليس فقط باعتبارها خدمة أساسية ترتبط بحياة المواطنين اليومية، وإنما لكونها عصب الاقتصاد ومحرك التنمية وركيزة الخدمات الصحية والتعليمية والإنتاجية. ففي معظم ولايات السودان أصبحت قطوعات الكهرباء الطويلة واقعاً يومياً يفرض نفسه على حياة الناس، بينما تتزايد شكاوى المواطنين من الخسائر المادية والمعاناة الإنسانية الناتجة عن انقطاع التيار لساعات قد تمتد إلى يوم كامل في بعض المناطق. وبينما تعزو الجهات المختصة الأزمة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الحرب، يرى مراقبون أن الأزمة الحالية هي نتاج سنوات طويلة من ضعف الاستثمار وسوء التخطيط وتآكل البنية الأساسية للقطاع

🔸️ تحديات متراكمة

يمثل قطاع الكهرباء أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في السودان، إذ تعتمد عليه مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية. وعلى الرغم من التوسع النسبي الذي شهده القطاع خلال العقود الماضية عبر إنشاء سدود ومحطات توليد جديدة، إلا أن الطلب على الكهرباء ظل ينمو بوتيرة أكبر من قدرة الدولة على توفير الإمداد المستقر.


وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة كبيرة من سكان السودان لا تزال تعاني من ضعف الوصول إلى الكهرباء، خصوصاً في المناطق الريفية، بينما تواجه المدن الرئيسية أزمة متكررة تتمثل في الانقطاعات المستمرة وضعف الشبكات وتهالك البنية التحتية. ومع  اندلاع الحرب في أبريل 2023 تعرضت العديد من محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل لأضرار مباشرة وغير مباشرة، الأمر الذي أدى إلى خروج أجزاء واسعة من الشبكة القومية عن الخدمة وتراجع القدرة الإنتاجية بصورة كبيرة. ويرى  محمد احمد الموظف بقطاع الكهرياء  أن الحرب لم تكن السبب الوحيد في الأزمة، بل جاءت لتكشف هشاشة القطاع وتراكم المشكلات الفنية والإدارية والمالية التي ظلت تعوق تطوره لسنوات طويلة.

🔸️اعباء اضافية

في أحد أحياء مدينة أم درمان، يجلس المواطن عبد الله محمد أمام منزله في ساعات المساء بعد يوم طويل من انقطاع الكهرباء. يقول واصفا  الوضع “أصبحت الكهرباء تأتي لساعات قليلة ثم تنقطع لفترات طويلة، ولم يعد بمقدورنا حفظ الطعام أو تشغيل المراوح في ظل ارتفاع درجات الحرارة.” ويضيف أن الأسر أصبحت تنفق مبالغ إضافية على شراء الثلج والبطاريات وأجهزة الإنارة البديلة، الأمر الذي زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
أما السيدة فاطمة إبراهيم، وهي ربة منزل من مدينة كوستي، فتقول إن انقطاع الكهرباء أثر بصورة مباشرة على حياة النساء داخل المنازل.
وتوضح: “أصبحت الأعمال المنزلية أكثر صعوبة، خاصة مع انقطاع المياه المرتبط غالباً بانقطاع الكهرباء، فنضطر إلى تخزين المياه بصورة مستمرة.”
وفي مدينة ود مدني يشكو  عبد الرحمن ابراهيم صاحب محل تجاري من الخسائر المتكررة بسبب تعطل الثلاجات وأجهزة التبريد. ويقول: “نتعرض لخسائر يومية بسبب تلف بعض السلع الغذائية، كما أن تشغيل المولدات يحتاج إلى وقود مكلف لا يستطيع كثير من أصحاب الأعمال تحمله.”

🔸️  حياة او موت

ربما يكون القطاع الصحي من أكثر القطاعات تأثراً بأزمة الكهرباء فالمستشفيات والمراكز الصحية تعتمد بصورة أساسية على الإمداد الكهربائي لتشغيل الأجهزة الطبية وغرف العمليات والعناية المكثفة وحفظ الأدوية واللقاحات ويقول أحد الأطباء العاملين في مستشفى حكومي إن انقطاع الكهرباء المتكرر يضع المؤسسات الصحية أمام تحديات كبيرة، خاصة في ظل نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الاحتياطية. ويضيف: “الكهرباء ليست رفاهية بالنسبة للمستشفيات، بل مسألة حياة أو موت، وأي انقطاع مفاجئ قد يؤثر على الخدمات المقدمة للمرضى.” كما تواجه مراكز غسيل الكلى وبنوك الدم ومعامل الفحوصات الطبية تحديات مماثلة ما يزيد من المخاوف بشأن تأثير الأزمة على صحة المواطنين.

🔸️التعليم تحت ضغط الأزمة

لم يسلم القطاع التعليمي هو الآخر من تداعيات أزمة الكهرباء، إذ تأثرت المدارس والجامعات ومراكز التدريب بانقطاع التيار، خاصة خلال فترات الامتحانات.ويؤكد عدد من الطلاب أن الانقطاعات المتكررة أثرت على التحصيل الأكاديمي، كما صعّبت الوصول إلى مصادر التعلم الإلكترونية التي أصبحت جزءاً أساسياً من العملية التعليمية وتزداد المعاناة في الجامعات التي تعتمد على المعامل والأجهزة الإلكترونية في الدراسة والبحث العلمي.

🔸️تفاقم الازمة

يرى خبراء في قطاع الطاقة أن الأزمة الحالية تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة الكهرباء السودانية. ويقول المهندس الطاهر عثمان، الخبير في أنظمة الكهرباء: “الشبكة القومية تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة فالكثير من المحولات وخطوط النقل تجاوز عمرها الافتراضي كما أن أعمال الصيانة الدورية تأثرت خلال السنوات الأخيرة.” ويضيف أن خسائر الحرب فاقمت الأزمة بصورة كبيرة بعد خروج عدد من المحطات وخطوط النقل من الخدمة. ويشير إلى أن الفاقد الكهربائي يمثل مشكلة أخرى تواجه القطاع حيث تضيع كميات كبيرة من الطاقة المنتجة بسبب الأعطال الفنية والتوصيلات غير القانونية وضعف الشبكات.

🔸️الطاقة البديلة

أما المهندس محمد الأمين المختص في الطاقة المتجددة، فيرى أن السودان يمتلك فرصاً كبيرة للاستفادة من الطاقة الشمسية. ويقول: “السودان من أكثر الدول التي تتمتع بساعات سطوع شمسي مرتفعة ويمكن للطاقة الشمسية أن تسهم في تخفيف الضغط على الشبكة القومية إذا تم الاستثمار فيها بصورة صحيحة.”

🔸️ التعافي الاقتصادي

يؤكد خبراء الاقتصاد أن أي حديث عن التنمية أو إعادة الإعمار يظل مرتبطاً بقدرة الدولة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة. ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير “لا يمكن جذب المستثمرين أو إعادة تشغيل المصانع أو زيادة الإنتاج الزراعي دون وجود إمداد كهربائي مستقر.” ويضيف أن انقطاع الكهرباء يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث تضطر المصانع والمؤسسات إلى الاعتماد على الوقود والمولدات الخاصة.كما ينعكس ذلك على أسعار السلع والخدمات التي يتحمل المواطن تكلفتها في نهاية المطاف.

🔸️خسائر اقتصادية بالمليارات

تسببت أزمة الكهرباء في خسائر كبيرة للقطاعين العام والخاص فالمصانع تعاني من توقف خطوط الإنتاج أو انخفاض كفاءتها بينما يواجه المزارعون صعوبات في تشغيل أنظمة الري، كما تتكبد الأسواق والمحال التجارية خسائر مستمرة نتيجة تلف البضائع وتعطل أنظمة الحفظ والتبريد.
ويؤكد أصحاب أعمال أن استمرار الأزمة يدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل أو إلغاء مشروعاتهم بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وعدم استقرار بيئة الاستثمار.

🔸️فقدان الثقة

في ظل استمرار الأزمة، اتجه آلاف المواطنين والمؤسسات إلى استخدام أنظمة الطاقة الشمسية كحل بديل وشهدت الأسواق زيادة ملحوظة في الطلب على الألواح الشمسية والبطاريات وأجهزة التحويل الكهربائي ويرى مختصون أن هذا التوجه يعكس فقدان الثقة في استقرار الإمداد الكهربائي التقليدي، لكنه في الوقت نفسه يمثل فرصة لتوسيع استخدام الطاقة النظيفة وتقليل الضغط على الشبكة القومية.غير أن ارتفاع تكلفة الأنظمة الشمسية ما يزال يشكل عائقاً أمام كثير من الأسر ذات الدخل المحدود.

🔸️تحديات إعادة الإعمار

يرى خبراء أن إعادة بناء قطاع الكهرباء لن تكون مهمة سهلة، إذ تتطلب استثمارات ضخمة وخططاً طويلة الأجل لإعادة تأهيل المحطات والشبكات المتضررة. كما تحتاج إلى شراكات مع المؤسسات الإقليمية والدولية وتوفير التمويل اللازم لاستيراد المعدات وقطع الغيار. ويؤكد المختصون أن نجاح عملية إعادة الإعمار يتطلب أيضاً إصلاحات إدارية وتشريعية تضمن كفاءة التشغيل والاستدامة المالية للقطاع.

🔸️ما المطلوب للخروج من الأزمة؟

يطرح المهندس عمر عثمان المدير العام الأسبق للهيئة القومية للكهرباء حزمة من الحلول للخروج من الازمة  تبداء  بفتح المجال في التوليد للقطاع الخاص خاصة الطاقات المتجددة من الشمسية والهوائية والنووية وايضا فتح المجال للقطاع الخاص لتوفير كافة مدخلات الشبكة بالتصنيع المحلي مع رقابة جودة المنتج  وضرورة تشجيع انشاء مصانع محلية لإنتاج الواح الطاقة الشمسية محليا خاصة ان خام السيليكون متوفر في منطقة ام روابة وبارا وتشجيع أنشأ مصانع لتجميع بطاريات الليثيام محليا وهو موضوع سهل جدا بالإضافة لتجميع الانفيرترات لتكون في متناول اليد
ويضيف عدد من الخبراء الي ذلك  ضرورة الإسراع في صيانة وتأهيل محطات التوليد المتضررة. وإعادة بناء شبكات النقل والتوزيع تقليل الفاقد الفني والتجاري. وكذلك تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتوسيع الربط الكهربائي الإقليمي مع الدول المجاورة. الي جانب تطوير نظم التحصيل والرقابة المالية

🔸️خاتمة
تكشف أزمة الكهرباء في السودان عن حجم التحديات التي تواجه البلاد في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. فالقضية لم تعد مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل أصبحت أزمة تمس الاقتصاد والصحة والتعليم والأمن الاجتماعي. وبينما تتواصل جهود الإصلاح والصيانة، يبقى الأمل معقوداً على تبني رؤية شاملة تعالج جذور المشكلة وتؤسس لقطاع كهرباء قادر على تلبية احتياجات المواطنين ودعم مسيرة التنمية في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى