بين نداءات السلام وصوت البنادق هل تقود مخرجات مؤتمر برلين والتحالفات المدنية السودان إلى نهاية الحرب ؟

كتب : عبدالله موسي احمد
في لحظة تبدو فيها الحرب السودانية وقد دخلت عامها الرابع تتقاطع على المشهد ثلاثة مسارات متوازية منها مسار عسكري يسعى فيه كل طرف إلى تحسين مواقعه على الأرض ومسار دبلوماسي تقوده قوى إقليمية ودولية للبحث عن تسوية سياسية ومسار مدني تحاول من خلاله القوى السياسية إعادة تموضعها استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.
وجاءت مخرجات مؤتمر برلين وبيانات الآلية الخماسية واعلان مجموغة من القوى الدوليةالأخيرة لتؤكد وجود إرادة دولية وإقليمية متزايدة لدفع السودانيين نحو حوار شامل تقوده القوى المدنية ومع حديث متصاعد عن إمكانية الوصول إلى ترتيبات سياسية خلال ستة أشهر إذا توفرت الإرادة السياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل أصبحت الظروف الميدانية والسياسية ناضجة فعلاً لإنهاء الحرب أم أن التحولات العسكرية والتحالفات السياسية الجديدة ما زالت تدفع الأطراف نحو مزيد من الاستقطاب؟
مؤتمر برلين ورسالة المجتمع الدولي. لم يكن مؤتمر برلين مجرد اجتماع دبلوماسي جديد يضاف إلى قائمة المبادرات السابقة لكنة حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعاً بأن الحرب السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً وأن الحل المستدام يمر عبر عملية سياسية شاملة تضم مختلف المكونات السودانية.
كما عكست بيانات المجموعة الخماسية والإعلانات الصادرة عن القوى الدولية والإقليمية الكبرى رغبة متزايدة في توحيد المنابر التفاوضية وربط المسار الإنساني بالمسار السياسي بعد أن أثبتت التجارب السابقة أن معالجة أحدهما بمعزل عن الآخر لا تؤدي إلى نتائج مستقرة.
وتدرك العواصم المؤثرة أن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده بل يمتد أثره إلى منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية واسعة النطاق.
الميدان لا يزال يتحدث بلغة القوة رغم الحراك الدبلوماسي المكثف فإن الوقائع العسكرية تشير إلى أن الأطراف المتحاربة لم تصل بعد إلى مرحلة الإنهاك الكامل التي تدفع عادة نحو التسويات الكبرى.
فالجيش السوداني حقق خلال الفترة الماضية تقدماً م باستعادة مساحات واسعة من العاصمة الخرطوم ومناطق استراتيجية في الوسط وهو ما عزز موقفه السياسي وأعاد إليه جزءاً كبيراً من المبادرة.
في المقابل لا تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بنفوذ مؤثر في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان وبعض المناطق الغربية وتراهن على العمق الجغرافي للإقليم وعلى شبكة تحالفاتها المحلية للحفاظ على وجودها العسكري والسياسي.
لذلك فإن الطرفين ما زالا ينظران إلى الميدان باعتباره أداة لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونه ساحة للوصول إلى تسوية نهائية.
التحالفات المدنية تتسباق نحو المستقبل بالتوازي مع الصراع العسكري تشهد الساحة السياسية السودانية عملية إعادة تشكيل واسعة للتحالفات المدنية.
فـتحالف صمود يحاول تقديم نفسه باعتباره منصة مدنية تدعو إلى وقف الحرب واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي مستنداً إلى قطاعات من القوى المدنية والنقابية والشخصيات الوطنية التي ترى أن استمرار الصراع يقود إلى تفكك الدولة.
وفي المقابل تسعى القوى المنضوية في مشروع تأسيس إلى بناء تصور جديد للدولة السودانية يقوم على إعادة هيكلة السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم مستفيدة من حالة الانسداد السياسي التي سبقت الحرب وما كشفته الحرب نفسها من اختلالات بنيوية في بنية الدولة.
أما تحالف لأمل والقوى القريبة منه فتسعى إلى إيجاد مساحة وسطية بين الاستقطابات الحادة مع التركيز على بناء توافقات أوسع تضم المؤتمر الوطنى حيث يمكن أن تشكل قاعدة لأي عملية سياسية مستقبلية.
غير أن المشكلة الأساسية التي تواجه هذه التحالفات لا تتمثل في اختلاف الرؤى فحسب لكن في غياب مركز سياسي موحد قادر على التحدث باسم غالبية المدنيين السودانيين وهو ما يمنح الأطراف العسكرية المتحاربة مساحة أكبر للمناورة.
هل تستطيع القوى المدنية قيادة التسوية؟
تقوم الرؤية الدولية الحالية على فرضية أن إنهاء الحرب يتطلب وجود قيادة مدنية قادرة على إدارة عملية الانتقال السياسي بعد وقف إطلاق النار.
لكن الواقع السوداني يكشف أن القوى المدنية نفسها لا تزال تعاني من انقسامات عميقة حول قضايا الشرعية والتمثيل وشكل الدولة ومستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة.
ولهذا فإن نجاح أي مبادرة دولية لن يتوقف فقط على موافقة الجيش والدعم السريع لكن أيضاً على قدرة القوى المدنية على بناء جبهة وطنية عريضة تتجاوز الانقسامات التقليدية وتقدم مشروعاً سياسياً مقنعاً للسودانيين.
ستة أشهر لإنهاء النزاع هى فرصة أم تفاؤل مفرط؟
يبدو الحديث عن إمكانية التوصل إلى تسوية خلال ستة أشهر طموحاً من الناحية السياسية كونة يظل مشروطاً بعدة عوامل أساسية.
أولها وجود ضغط إقليمي ودولي موحد على جميع الأطراف دون استثناء. وثانيها قبول الأطراف العسكرية بمبدأ التسوية السياسية بدلاً من الرهان على الحسم العسكري. أما العامل الثالث فيتمثل في قدرة القوى المدنية على الاتفاق حول رؤية مشتركة لإدارة المرحلة الانتقالية.
وفي غياب هذه الشروط قد تتحول المدة الزمنية المقترحة إلى مجرد إطار نظري يصعب ترجمته إلى واقع عملي.
يقف السودان اليوم بين احتمالين متناقضين إما أن تنجح الضغوط الدولية ومخرجات مؤتمر برلين وبيانات الخماسية في تحويل ميزان الصراع من ساحة القتال إلى طاولة التفاوض وإما أن تستمر الحرب في إعادة إنتاج نفسها عبر جولات جديدة من الاستنزاف العسكري والسياسي.
فالسلام لا يصنعه المجتمع الدولي وحده كما أن الحسم العسكري وحده لا يبني دولة مستقرة. وبين هذين الخيارين تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع يلتقي عنده الجيش والدعم السريع والقوى المدنية والحركات السياسية والمجتمعية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تستوعب دروس الحرب وتمنع تكرارها. وعندها فقط يمكن أن تتحول نداءات السلام من بيانات تصدر في المؤتمرات الدولية إلى واقع يعيشه السودانيون على أرضهم بعد سنوات طويلة من الدم والخراب والقتل والدمار.




