المفقودين ..والعدالة الضائعة: أمهات على ضفة الانتظار(13)

كتب:حسين سعد
لا شيء أقسى على أم من أن يختفي ابنها دون أثر. لا قبر تزوره، ولا خبر يطمئن قلبها، ولا يقين يضع حداً لأسئلة لا تنتهي. منذ اندلاع الحرب في السودان، تحولت آلاف الأسر إلى رهائن للانتظار، تبحث عن أحبائها بين المستشفيات ومراكز الإيواء وقوائم الناجين والشهود، أملاً في العثور على خيط يقود إلى الحقيقة.
في ولاية الجزيرة، التي عُرفت لعقود بأنها أرض الزراعة والاستقرار، خلّفت الحرب وجهاً آخر أكثر قسوة؛ وجهاً يتجسد في قصص المفقودين الذين غادروا منازلهم ولم يعودوا. وبينما تتراكم أرقام القتلى والنازحين، تبقى قضية المفقودين واحدة من أكثر المآسي الإنسانية صمتاً وإيلاماً، لأنها تترك الأسر معلقة بين الأمل واليأس، وبين الرجاء والخوف.
المفقودون ليسوا أرقاماً في قوائم أو تقارير، بل أبناء وآباء وأمهات وأصدقاء تركوا خلفهم فراغاً لا يملؤه شيء. وكل حالة اختفاء تحمل قصة إنسانية موجعة، وتطرح أسئلة ملحّة حول الحق في معرفة المصير والعدالة والمساءلة.
فاطمة تبحث عن ابنها:
تمثل قضية المفقودين انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة، والحق في الأمان الشخصي، والحق في معرفة مصير الأشخاص المفقودين. كما أنها تكشف عن هشاشة مؤسسات الدولة في حماية مواطنيها، وتعكس الحاجة الماسة إلى آليات فعالة للمساءلة والعدالة، وإلى دعم مجتمعي ودولي لحماية حقوق الضحايا وأسرهم. كل اختفاء هو جرح جديد في نسيج المجتمع، ويخلق ظلالًا من الخوف وعدم اليقين، ويضعنا أمام سؤال ملح: كيف نضمن عدم تكرار هذه المأساة، وكيف نعيد الأمل لأولئك الذين عاشوا في انتظار خبر قد لا يأتي أبدًا؟ وفي السودان، حيث مزقت الحرب المستمرة حياة ملايين الأسر، تقف آلاف الأمهات عند بوابات الصمت، يفتشن في الركام والطرقات وفي وجوه الغرباء عن أبنائهن المفقودين، واحدة من هؤلاء أم من أحدي قري ولاية الجزيرة، أخذت الحرب منها ابنها ، فتركتها تقاوم اليأس بقلب مشقوق على جمر الإنتظار، هذه قصتها وهنا نرمز لها بأسم مستعار، وهي فاطمة عمرها نحو 60 عاماً، وهي أم سودانية بسيطة، حملت على كتفيها هم الحياة لسنوات طويلة بعد وفاة زوجها المبكر، فاطمة لم تنتظر من الدنيا كثيراً، أرادت فقط أن ترى أبناءها يكبرون في أمان، ويواصلون التعليم، ويبنون مستقبلاً يُطفئ مرارة الشقاء الطويل، غير أن الحرب التي إنفجرت في السودان ابتداءً من 15 أبريل 2023، سلبتها أكثر مما يمكن لامرأة أن تتحمل، فابنها الأكبر الخريج الجامعي ، خرج من منزلهم ، في يناير 2024م ، ولم يعد منذ ذلك اليوم. لم يُعرف إن كان قد أُسر، اختطف، قتل، أو ما يزال حيّاً في مكان مجهول، ومنذ ذلك اليوم، صارت حياة الأم فاطمة قافلة من الانتظار، والبحث، والبكاء، والصمت الموجع الذي يثقل الصدر كل ليلة.
صرخة لم تُسمع
وفي موقع الراكوبة نيوز : نشر تقرير بتاريخ 2 نوفمبر 2024م تحت عنوان (عشرات المفقودين نتيجة المعارك في ولاية الجزيرة) نجح الموظف الحكومي خضر علي في الهرب وعائلته من هجوم قوات الدعم السريع على مدينته في ولاية الجزيرة وسط رصاص متطاير وفوضى عارمة، لكن ما إن أصبح بأمان، اكتشف أنّه فقد أثر ابن أخيه المريض محمد ، ويبلغ ابن شقيقه 17 عاما، وهو مصاب بمرض جلدي يحتاج لرعاية طبية خاصة، وواحد من عشرات الأشخاص الذين أبلغ ذووهم عن فقدانهم مع تصاعد العنف في الولاية والذي دفع قرابة 119 ألف شخص للنزوح، وفق الأمم المتحدة، ويروي علي (47 عاما) بتوتّر: خرجنا في حالة من الفوضى، وكان إطلاق النار في كل اتجاه. بعد أن أصبحنا خارج المدينة اكتشفنا أن ابن أخي غير موجود ، وتابع: هو مريض بعيب خلقي في خلايا الجلد لا يتحمّل الجفاف لأكثر من ساعة ويحتاج لرعاية خاصة، وكان علي يعيش في مدينة رفاعة التي تعرضت لهجوم من قوات الدعم السريع في 22 أكتوبر دفعه للنزوح مع أسرته وأسرة شقيقه الراحل. ووصل إلى مدينة حلفا في ولاية كسلا (150 كيلومترا شرق رفاعة) بعد رحلة مضنية استغرقت ثلاثة أيام، ويقول بقلق بالغ: مرّت حتى الآن ستة أيام ولا نعرف عنه شيئان ومن جهته يقول الناشط علي بشير الذي ينظّم عملية النزوح من قرى شرق ولاية الجزيرة: انقطاع الاتصالات يفاقم مسألة المفقودين، وتعجّ مواقع التواصل الاجتماعي في السودان بمنشورات تبلّغ عن مفقودين. وأطلق ناشطون صفحات لنشر صور وأسماء المفقودين وغالبيتهم من كبار السن والأطفال.
فقد بلا أثر، وغياب بلا إجابة:
قصة فاطمة ليست سوى مرآة تعكس معاناة آلاف الأمهات السودانيات اللواتي يواصلن البحث عن أبنائهن وسط ظروف بالغة القسوة. فالحرب لا تقتل الإنسان وحده، بل تقتل يقين الأسرة واستقرارها، وتحوّل حياتها إلى انتظار مفتوح على المجهول.
ما تزال فاطمة تبحث عن ابنها في المستشفيات ومراكز الإيواء ومعسكرات النزوح، وتسأل عنه كل من يملك معلومة أو شاهده في أي مكان. تبحث عنه في وجوه الناس وفي الأخبار وفي أحلام الليل التي لا تفارقها.
ورغم مرور الوقت، لم تستسلم. فما يؤلم أسر المفقودين ليس الموت بقدر ما يؤلمها الغياب بلا إجابة. فالموت، رغم قسوته، يمنح نهاية واضحة، أما الاختفاء فيترك الجرح مفتوحاً، ويجعل الحياة معلقة بين احتمالين: الأمل والخوف.
لقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 هشاشة حياة الناس وأحلامهم البسيطة. ففي القرى التي كان أهلها ينتظرون مواسم الحصاد والخريف، أصبح كثيرون ينتظرون خبراً عن مفقود أو عودة غائب قد لا يأتي أبداً.
الخاتمة: ستشرق شمس الحقيقة
تبقى قضية المفقودين في ولاية الجزيرة واحدة من أكثر الجراح المفتوحة إيلاماً في ذاكرة الحرب السودانية. فالمأساة لا تكمن فقط في الغياب، بل في غياب الحقيقة نفسها.
إن التعامل مع ملف المفقودين بوصفه أولوية إنسانية وقانونية لم يعد خياراً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. فالكشف عن مصير المفقودين، وتوثيق حالاتهم، وفتح تحقيقات مستقلة بشأنهم، يمثل خطوة أساسية نحو العدالة وجبر الضرر وإنصاف الضحايا وأسرهم.
كما أن من واجب الدولة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية العمل على إنشاء آليات فعالة للبحث والتوثيق وتقديم الدعم النفسي والقانوني للأسر التي تعيش مأساة الانتظار.
فالمفقودون قد يغيبون عن الأنظار، لكنهم لا يغيبون عن الذاكرة، ولا يسقط حقهم في العدالة بالتقادم
، عموماً إن الجزيرة —هذه الأرض التي علمت السودان الزراعة والصبر—أن تحوّل الألم إلى قوة فالأسر التي فقدت أبناءها، رغم دموعها، تطالب بالبحث عنهم، بالتوثيق لقضاياهم، بإعداد قوائم دقيقة، بفتح تحقيقات، وبأن تتعامل الدولة والمجتمع الدولي مع قضية المفقودين باعتبارها أولوية إنسانية عاجلة، إنّ العدالة ليست فقط محاسبة من تسببوا في الحرب، بل أيضاً في كشف مصير من غابوا، ومنح أسرهم الحق في المعرفة، والحق في الوداع، والحق في استعادة جزء من السلام الداخلي الذي سُرق منهم، وفي النهاية، سيظل صوت الأمهات في الجزيرة يعلو فوق أصوات الرصاص، قائلاً( أعيدوا أبناءنا ….أو أعيدوا إلينا الحقيقة) (يتبع)




