العدالة التي تبني الدولة لا التي تنتقم منها : لماذا يحتاج السودان إلى إعادة تأسيس منظومته الجنائية بعد الحرب والدكتاتورية؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد
افتتاحية
لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها أو حجم مواردها الطبيعية فحسب، بل بقدرتها على إقامة العدل بين مواطنيها. فالدولة التي تفقد ثقة الناس في عدالتها تفقد، تدريجياً، شرعيتها الأخلاقية والسياسية مهما امتلكت من أدوات القوة. ولهذا لم يكن غريباً أن ترتبط التحولات الديمقراطية الكبرى في العالم بإصلاحات عميقة في نظم العدالة الجنائية، لأن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية لا يكتمل بإسقاط نظام سياسي أو إجراء انتخابات، بل يبدأ فعلياً عندما يتحول القانون من أداة للهيمنة إلى وسيلة لحماية الحقوق والحريات.
وفي السودان، حيث تداخل إرث الحكم السلطوي الطويل مع آثار الحروب الأهلية والصراعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى إعادة تأسيس المنظومة الجنائية باعتبارها أحد أهم شروط بناء الدولة الحديثة. فالمسألة ليست مجرد تعديل قوانين أو تغيير مسؤولين، وإنما إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة من العدالة والمساواة وسيادة القانون.
بين عدالة السلطة وعدالة الدولة
أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول الخارجة من الأنظمة الدكتاتورية يتمثل في أن مؤسسات العدالة نفسها تكون قد تعرضت للتسييس والتشويه. فالشرطة غالباً ما تتحول إلى أداة لحماية النظام الحاكم، والنيابة تصبح امتداداً للسلطة التنفيذية، بينما يفقد القضاء استقلاله الفعلي تحت وطأة التدخلات السياسية والأمنية.
هذه الظاهرة لم تكن حكراً على السودان، بل شهدتها دول عديدة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا الشرقية. غير أن خطورتها في الحالة السودانية تكمن في أنها ترافقت مع حروب طويلة وانقسامات مجتمعية عميقة، الأمر الذي جعل كثيراً من المواطنين ينظرون إلى العدالة بوصفها امتيازاً لفئة دون أخرى، أو أداة تستخدمها القوى المسيطرة ضد خصومها.
ومن هنا فإن أي مشروع لإعادة بناء الدولة لا بد أن يبدأ بإعادة بناء الثقة في العدالة نفسها. فالعدالة ليست مؤسسة فنية فحسب، وإنما عقد اجتماعي يطمئن المواطن إلى أن حقوقه مصانة بغض النظر عن قبيلته أو جهته أو دينه أو انتمائه السياسي.
العدالة ليست انتقاماً سياسياً
في المجتمعات الخارجة من النزاعات والحروب يبرز دائماً سؤال المحاسبة. هل تتم معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة دون إشعال دورة جديدة من الانتقام؟
التجارب الدولية تؤكد أن العدالة الانتقالية الناجحة ليست عدالة المنتصر على المهزوم، وإنما عدالة القانون على الجميع. فحين تتحول المحاكم إلى أدوات للثأر السياسي فإنها تفقد مشروعيتها وتعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى مقاربة قانونية متوازنة تجمع بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة المجتمعية. فالضحايا لهم الحق في معرفة ما حدث، كما أن المجتمع له الحق في محاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، لكن ذلك يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية عادلة وشفافة تضمن حقوق المتهمين والضحايا على السواء.
إن العدالة التي تتجاوز القانون باسم السياسة لا تصنع سلاماً دائماً، كما أن المصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا لا تبني استقراراً حقيقياً.
التنوع السوداني وتحديات العدالة
من الأخطاء التي وقعت فيها بعض الدول بعد النزاعات أنها حاولت فرض نموذج قانوني مركزي يتجاهل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات المحلية. أما السودان، بحكم تنوعه الإثني والثقافي واللغوي، فيحتاج إلى منظومة عدالة تعترف بهذا التنوع وتستوعبه دون أن تسمح له بتقويض مبدأ المواطنة المتساوية.
فالعدالة الحديثة لا تعني إلغاء الأعراف الاجتماعية المحلية، بل تعني تنظيم العلاقة بينها وبين القانون الوطني. ويمكن الاستفادة من مؤسسات الصلح الأهلي والجودية والإدارة الأهلية في معالجة بعض النزاعات المدنية والمجتمعية، مع التأكيد على أن الجرائم الكبرى، مثل جرائم الحرب والقتل العمد والاغتصاب والفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تظل من اختصاص الدولة وحدها ولا يجوز إخضاعها للتسويات التقليدية.
إن احترام التنوع لا يعني تعدد العدالات، وإنما بناء عدالة واحدة تستوعب الجميع.
استقلال القضاء: حجر الزاوية
لا توجد منظومة جنائية ديمقراطية من دون قضاء مستقل. فالاستقلال القضائي ليس امتيازاً للقضاة، بل ضمانة للمجتمع كله. وعندما يخضع القضاء للسلطة السياسية يفقد المواطن ملاذه الأخير في مواجهة التعسف والانتهاكات.
ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي في السودان يجب أن يبدأ بإبعاد القضاء والنيابة العامة عن الاستقطاب السياسي، ووضع ضمانات دستورية وقانونية تمنع التدخل في شؤونهما، وتكفل اختيار القيادات القضائية وفق معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة المهنية.
كما أن تحديث القضاء لا يقتصر على استقلاله، بل يشمل تطوير بنيته المؤسسية، وتأهيل كوادره، واستخدام التقنيات الحديثة، وضمان وصول المواطنين إلى العدالة في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في المناطق التي عانت من التهميش والنزاعات.
من دولة الخوف إلى دولة القانون
إن أخطر ما تخلّفه الأنظمة الاستبدادية والحروب ليس الدمار المادي فحسب، بل ثقافة الخوف وانعدام الثقة. فالمواطن الذي اعتاد على غياب العدالة يصبح أكثر ميلاً للجوء إلى القوة أو العصبية القبلية أو النفوذ الشخصي لحماية حقوقه.
ومن هنا فإن إعادة بناء المنظومة الجنائية ليست مشروعاً قانونياً معزولاً، بل هي مشروع ثقافي واجتماعي يهدف إلى ترسيخ فكرة أن القانون هو المرجعية العليا للجميع. فكلما ازدادت ثقة المواطنين في المؤسسات العدلية تراجعت الحاجة إلى العنف الأهلي والانتقام الفردي والولاءات الضيقة.
خاتمة
إن بناء منظومة جنائية جديدة في السودان ليس مجرد عملية إصلاح إداري أو مراجعة تشريعية، بل هو مشروع وطني لإعادة تأسيس الدولة على أسس مختلفة عن تلك التي أنتجت الاستبداد والحروب والانقسامات. فالديمقراطية لا تستقر بالانتخابات وحدها، وإنما تستقر حين يشعر المواطن أن حقوقه مصانة وأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز.
ولذلك فإن العدالة المنشودة ليست عدالة الغلبة السياسية ولا عدالة الثأر، بل عدالة تؤسس لمواطنة متساوية، وتعترف بالتنوع، وتحاسب المجرمين، وتنصف الضحايا، وتمنع الإفلات من العقاب. وعندها فقط يمكن للسودان أن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة، ومن إرث الحرب والاستبداد إلى أفق السلام الدائم وسيادة القانون.



