هل تمثل جمهورية السودان الاتحادية مخرجاً تاريخياً أم مشروعاً يصطدم بوقائع القوة والسلاح؟

جمهورية السودان الاتحادية
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد
هل تمثل جمهورية السودان الاتحادية مخرجاً تاريخياً أم مشروعاً يصطدم بوقائع القوة والسلاح؟
منذ استقلال السودان عام 1956 ظل ماهية الدولة هى السؤال الأكثر إلحاحاً في الحياة السياسية السودانية وكيف يمكن إدارة بلد شديد التنوع ومتعدد الثقافات والأعراق والأقاليم دون أن يتحول هذا التنوع إلى صراع دائم بين المركز والهامش؟
ذلك السؤال الذي فشلت النخب السياسية والعسكرية المتعاقبة في الإجابة عليه وعاد اليوم بصورة أكثر تعقيداً بعد حرب الخامس عشر من أبريل 2023 التي لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لكنها تحولت إلى أزمة وجود تهدد وحدة الدولة السودانية.
على هذا السياق جاءت مبادرة السفير السوداني السابق نور الدين ساتي تحت عنوان من أجل نظام جديد للحوكمة في السودان بوصفها محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس فيدرالية جديدة تتجاوز ما يسميه البعض دولة 56 وتبحث عن صيغة تمنع الانهيار الكامل أو التقسيم الفعلي الذي بدأت ملامحه تظهر على الأرض.
غير أن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في مضمونها الدستوري والسياسي الا انه في توقيتها أيضاً إذ جاءت في لحظة أصبح فيها السودان عملياً أمام سلطتين متوازيتين سلطة الأمر الواقع المرتبطة بالحكومة المركزية والجيش في بورتسودان، وسلطة سياسية وعسكرية تشكلت في مناطق نفوذ الدعم السريع وحلفائه خاصة في دارفور وبعض أجزاء كردفان تحت شعارات التأسيس وإعادة بناء الدولة على اسس جديدة.
أولاً تشير المبادرة واعترافها الضمني بفشل نموذج الدولة المركزية القديمة.
تستند مبادرة نور الدين ساتي إلى فرضية رئيسية مفادها أن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومات متعاقبة فحسب وإنما أزمة بنيوية في طبيعة وهياكل الدولة المركزية القديمة.
وهذا الطرح يجد سنده في التاريخ السياسي السوداني فمنذ الاستقلال تركزت السلطة والثروة والخدمات في الوسط النيلي وبينما ظلت الأطراف فى دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق، شرق السودان تشكو من التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي.
وهنا من الناحية الدستورية فإن المبادرة تمثل انتقالاً من مفهوم الدولة المركزية إلى الدولة الاتحادية واسعة الصلاحيات وحيث تقترح تفويض السلطات والموارد إلى الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وهي بذلك تقترب من نماذج الحكم الفيدرالي العميق المطبقة في دول متعددة القوميات والإثنيات.
كما أن المبادرة تطرح بوضوح مبدأ المواطنة المتساوية وترفض تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو عرقي أو جهوي وتدعو إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان وهو طرح يجد قبولاً واسعاً داخل قطاعات من القوى المدنية والنخب الحديثة.
لكن في المقابل فإن المبادرة تواجه إشكالية قانونية وسياسية معقدة تتمثل في أن الفيدرالية لا تنجح فقط بالنصوص الدستورية وإنما تحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات قوية وجيش موحد واقتصاد متماسك وهي عناصر يفتقدها السودان حالياً بصورة كبيرة.
ثانياً: هل تعالج المبادرة جذور الأزمة السودانية؟
تحسب للمبادرة أنها لم تتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها أزمة عابرة بل ربطتها بجذور الأزمة التاريخية الممتدة منذ الاستقلال.
فالحروب الأهلية في الجنوب سابقاً ثم دارفور،ثم النيل الأزرق وجنوب كردفان كلها كانت تعبيراً عن اختلال العلاقة بين المركز والهامش.
ومن هنا فإن طرح توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة يمثل أحد أهم عناصر القوة في الوثيقة خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية كالذهب والبترول والثروة الزراعية والحيوانية.
غير أن السؤال الأهم يظل هل الأزمة السودانية اليوم أزمة هامش ومركز فقط؟
الواقع الميداني يشير إلى أن الحرب الحالية تجاوزت هذا التوصيف التقليدي وأصبحت مرتبطة أيضاً بصراع على السلطة العسكرية والسياسية بين الجيش والدعم السريع وبصراعات إقليمية ودولية متشابكة.
ولهذا فإن أي مشروع للحل لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل موازين القوة على الأرض.
ثالثاً: المبادرة بين بورتسودان ونيالا فالسودان أمام سلطتين؟
أخطر ما تواجهه الدولة السودانية اليوم هو الانتقال التدريجي من الحرب داخل الدولة إلى التعدد الفعلي للسلطات.
ففي بورتسودان توجد السلطة التي يقودها الجيش السوداني وتحظى باعتراف إقليمي ودولي واسع باعتبارها الامتداد الرسمي للدولة السودانية ومؤسساتها السيادية القديمة الموجودة.
وفي المقابل تحاول القوى المدنية اخرى والدعم السريع وبعض الحركات المسلحة والقوى المتحالفة معها بناء خطاب سياسي جديد تحت عنوان
تأسيس دولة سودانية على اسس جديدة ويطرح نفسه باعتباره ممثلاً لللريف والهامش السوداني والقوى المهمشة تاريخياً.
وهنا تبرز أهمية مبادرة نور الدين ساتي فهي تبدو وكأنها محاولة لتقديم بديل سياسي ودستوري يمنع تحول هذا الانقسام إلى انفصال فعلي أو إلى نموذج لدولتين داخل الدولة الواحدة.
لكن التحدي الكبير يتمثل في أن أي مشروع فيدرالي يُطرح في ظل واقع عسكري منقسم قد يُفسَّر لدى بعض القوى باعتباره خطوة تمهيدية للتقسيم لا وسيلة للحفاظ على الوحدة.
رابعاً: موقع الجيش والدعم السريع من المبادرة
من الناحية العملية يصعب تصور قبول الجيش السوداني بأي صيغة تؤدي إلى إضعاف المركز بصورة كبيرة خاصة أن المؤسسة العسكرية تاريخياً ارتبطت بفكرة الدولة المركزية الموحدة.
فالجيش يرى نفسه حارساً لوحدة السودان ويخشى أن تؤدي الفيدرالية الواسعة إلى خلق مراكز قوة إقليمية قد تتحول مستقبلاً إلى مشاريع انفصال.
أما قوات الدعم السريع فإن خطابها السياسي الحالي يقوم على نقد دولة المركز ولذلك قد تجد في بعض جوانب المبادرة ما ينسجم مع خطابها السياسي خاصة فيما يتعلق بإعادة توزيع السلطة والثروة.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في انعدام الثقة بين الطرفين فالجيش ينظر إلى الدعم السريع باعتباره تمرداً مسلحاً يهدد الدولة وبينما يرى الدعم السريع أن الحرب كشفت احتكار المؤسسة التقليدية للسلطة والثروة.
ولهذا فإن إنشاء جيش قومي مهني واحد كما تقترح المبادرة يظل من أصعب البنود تنفيذاً لأنه يتطلب أولاً اتفاقاً سياسياً شاملاً وضمانات داخلية وإقليمية ودولية معقدة.
خامساً: أين تقف القوى المدنية وتحالف صمود؟
القوى المدنية السودانية تعاني اليوم من أزمة تأثير حقيقية.
فبعد أن كانت في قلب المشهد عقب ثورة ديسمبر 2018، أصبحت الحرب الحالية ذات طابع عسكري وأمني بالدرجة الأولى.
ومع ذلك فإن بعض التحالفات المدنية وعلى رأسها تحالف صمود تحاول الدفع باتجاه الحل السياسي ووقف الحرب مستفيدة من الحضور الدبلوماسي الخارجي والعلاقات مع المجتمع الدولي.
لكن المعضلة التي تواجه هذه القوى هي أنها لا تملك أدوات ضغط ميدانية بينما تتحكم القوى المسلحة في الواقع العسكري والجغرافي.
كما أن الانقسام داخل القوى المدنية نفسها حول العلاقة مع الجيش والدعم السريع أضعف قدرتها على تقديم مشروع وطني موحد.
سادساً هل تمتلك المبادرة قبولاً شعبياً؟
رغم الطابع الفكري والسياسي المتقدم للمبادرة فإن قبولها الشعبي يظل مرتبطاً بعدة عوامل منها
مدى قدرة القوى السياسية على شرح مفهوم الفيدرالية للمواطنين بعيداً عن مخاوف التقسيم.
موقف الجيش والقوى المسلحة منها.
طبيعة التسوية السياسية القادمة.
حجم التدخلات الإقليمية والدولية في الملف السوداني.
ففي بعض مناطق الهامش قد تجد المبادرة قبولاً واسعاً باعتبارها تعترف بالمظالم التاريخية وبينما قد تواجه بتحفظات في مناطق أخرى تخشى من تفكيك الدولة المركزية.
تمثل مبادرة نور الدين ساتي واحدة من أكثر المحاولات السياسية والدستورية جدية لإعادة التفكير في شكل الدولة السودانية بعد الحرب.
وهي تنطلق من حقيقة يصعب إنكارها أن السودان القديم بصيغته المركزية التي حكمت منذ الاستقلال وصل إلى أزمة تاريخية عميقة.
غير أن نجاح أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة لا يعتمد فقط على سلامة النصوص الدستورية أو عدالة الشعارات السياسية وإنما على قدرة السودانيين على بناء توافق وطني واسع يوقف الحرب أولاً ثم يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والثروة والهوية على أسس جديدة.
فالسودان اليوم لا يقف فقط أمام خطر انهيار نظام سياسي لكنه أمام وضع وجودي يتعلق ببقاء الدولة نفسها. وبين مشروع الامل بورتسودان ومشروع التأسيس في نيالا تبقى الحاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع يمنع الانقسام ويؤسس لدولة تستوعب الجميع دون إقصاء أو هيمنة أو احتكار للسلطة باسم المركز أو الهامش.




