فارسُ الماءِ وحرفُ الحق
فارسُ الماءِ وحرفُ الحق
مقالٌ في حقِّ المهندس مهدي محمد مصطفى
في المجتمعاتِ التي تعاني من الهشاشةِ الخدميةِ والاضطرابِ الإداري، لا يصبحُ الماءُ مجردَ خدمةٍ عامة، بل يتحوّلُ إلى معيارٍ حقيقيٍّ لمدى احترامِ الدولةِ لإنسانها.
ومن هنا تبرزُ أهميةُ العاملينَ في قطاعِ المياه، لأنهم لا يديرونَ أنابيبَ وشبكاتٍ فحسب، بل يلامسونَ بصورةٍ مباشرةٍ حياةَ الناسِ اليوميةَ وكرامتَهم الأساسية.
وفي محليةِ بحرِ العرب، حيثُ تتضاعفُ تحدياتُ البنيةِ التحتيةِ بفعلِ الظروفِ الاقتصاديةِ والإنسانية، برزَ اسمُ المهندسِ مهدي محمد مصطفى بوصفهِ واحدًا من الكفاءاتِ التي تعاملتْ مع العملِ العامِّ باعتباره مسؤوليةً أخلاقيةً قبلَ أن يكونَ وظيفةً إدارية.
فالرجلُ لم يكنْ حاضرًا في ذاكرةِ الناسِ بسببِ خطابٍ إعلاميٍّ أو حضورٍ استعراضي، بل بسببِ اقترابهِ اليوميِّ من مشكلاتِ المواطنين، وسعيهِ المستمرِّ لتحسينِ خدماتِ المياهِ رغمَ محدوديةِ الإمكاناتِ وتعقيدِ الظروف.
لقد ارتبطَ اسمُهُ في أذهانِ كثيرينَ بصورةِ المهندسِ الميدانيِّ الذي يفهمُ أنَّ أزمةَ المياهِ ليستْ مسألةً تقنيةً فقط، بل قضيةٌ إنسانيةٌ ترتبطُ بالصحةِ والاستقرارِ والعدالةِ الاجتماعية.
ولهذا لم يتعاملْ مع وظيفتِهِ بوصفِها موقعًا للامتياز، وإنما باعتبارِها مساحةً لخدمةِ الناسِ والدفاعِ عن حقِّهم في حياةٍ كريمة.
وحينَ عبّرَ عن آرائِهِ ومواقفِهِ بصراحة، وجدَ نفسَهُ في مواجهةِ واقعٍ لا يتقبّلُ دائمًا الكلمةَ الناقدةَ أو الموقفَ المستقل.
فتمَّ إيقافُ مرتبِهِ، في خطوةٍ رآها كثيرونَ عقوبةً إداريةً ذاتَ أبعادٍ تتجاوزُ الجانبَ الوظيفي، لتلامسَ قضيةَ حريةِ الرأيِ وحدودَ التعبيرِ داخلَ المؤسساتِ العامة.
لكنَّ ما منحَ هذهِ الحادثةَ أثرَها المعنويَّ الكبير، ليسَ قرارَ الإيقافِ نفسَهُ، بل الطريقةُ التي تعاملَ بها المهندسُ مهدي مع الموقف.
إذ حافظَ على هدوئهِ، واستمرَّ في التعبيرِ عن قناعاتهِ دونَ انفعالٍ أو إساءة، مؤكدًا أنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بما يتقاضاهُ من راتب، بل بما يحملُهُ من مبادئَ وقدرةٍ على الثباتِ حينَ تصبحُ الكلمةُ مكلفة.
إنَّ المجتمعاتِ لا تتقدّمُ فقط عبرَ الخططِ والمشروعات، وإنما أيضًا عبرَ حمايةِ الأشخاصِ الذين يمتلكونَ الشجاعةَ الأخلاقيةَ لقولِ الحقيقةِ والعملِ بإخلاص.
ولهذا فإنَّ تقديرَ النماذجِ المهنيةِ الجادةِ يُعدُّ جزءًا من بناءِ الوعيِ العام، لأنَّ المؤسساتِ القويةَ لا تقومُ على الخوف، بل على الكفاءةِ والشفافيةِ واحترامِ الرأي.
لقد أثبتَ المهندسُ مهدي محمد مصطفى أنَّ العملَ المهنيَّ يمكنُ أن يجتمعَ مع الموقفِ الأخلاقي، وأنَّ خدمةَ المواطنينِ لا تنفصلُ عن احترامِ كرامتِهم وحقوقِهم.
وسيظلُّ في نظرِ كثيرينَ نموذجًا للمهندسِ الذي لم يكتفِ بإصلاحِ خطوطِ المياه، بل حاولَ ـ بقدرِ ما يستطيع ـ أن يُبقيَ ضميرَ الخدمةِ العامةِ حيًّا وسطَ زمنٍ تتآكلُ فيهِ القيمُ تحتَ ضغطِ المصالحِ والخوف…



